لندن – المنشر_الاخباري
فتحت تصريحات الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «الناتو» مارك روته ملفًا حساسًا بشأن طبيعة الدور الذي لعبته القواعد العسكرية الأوروبية خلال الحرب الأمريكية على إيران، بعدما كشف أن آلاف الطلعات الجوية الأمريكية انطلقت من قواعد في أوروبا خلال الأسابيع الأولى من العمليات.
وقال روته إن ما بين 4 آلاف و5 آلاف طلعة أمريكية انطلقت من قواعد أوروبية بين أواخر فبراير ومنتصف أبريل 2026، مستندة إلى ترتيبات واتفاقيات ثنائية قائمة بين واشنطن وعدد من الدول الأوروبية. ووصف أوروبا بأنها منصة مهمة لإسقاط القوة الأمريكية، في إشارة إلى الدور الذي لعبته البنية العسكرية الموجودة في القارة في دعم العمليات الأمريكية.
لكن تصريحات روته لم تمر دون اعتراض، إذ سارعت دول أوروبية إلى التأكيد أن السماح باستخدام القواعد أو المجال الجوي لا يعني بالضرورة المشاركة المباشرة في العمليات القتالية، فيما أكدت إيطاليا بصورة خاصة أن ما سمحت به اقتصر على أنشطة تقنية ولوجستية وغير قتالية.
5 آلاف طلعة من القواعد الأوروبية
تكشف تصريحات روته عن حجم النشاط العسكري الأمريكي الذي استفاد من البنية التحتية الأوروبية خلال الحرب.
وفي تصريحات سابقة، أوضح الأمين العام للناتو أن آلاف الرحلات الأمريكية استخدمت قواعد جوية أوروبية استنادًا إلى اتفاقيات ثنائية أُبرمت على مدار سنوات بين واشنطن ودول مختلفة في القارة.
وأشار تحديدًا إلى رومانيا، موضحًا أن بوخارست اضطرت إلى إجراء تعديلات تشريعية سريعة للسماح بتنفيذ بعض الترتيبات المطلوبة، معتبرًا أن استخدام هذه القواعد أظهر بوضوح أهمية أوروبا باعتبارها منصة لإسقاط القوة الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، شدد روته على أن هذه العمليات لم تكن عملية عسكرية ينفذها «الناتو» باعتباره حلفًا، وإنما جرت في إطار ترتيبات ثنائية بين الولايات المتحدة ودول أعضاء في الحلف.
وهنا تكمن إحدى النقاط الأساسية في القضية: وجود بنية عسكرية أوروبية في خدمة العمليات الأمريكية لا يعني تلقائيًا أن الناتو اتخذ قرارًا جماعيًا بالمشاركة في الحرب.
إيطاليا.. الخلاف الأبرز
كانت إيطاليا في قلب الجدل بعدما قال روته إن نحو 500 طائرة أمريكية أقلعت من قواعد أمريكية في الأراضي الإيطالية لدعم عملية «Epic Fury»، الاسم الذي أطلقته واشنطن على حملتها العسكرية ضد إيران.
لكن روما رفضت الطريقة التي فُهمت بها تصريحات روته، وقالت وزارة الدفاع الإيطالية إن وصف تلك الرحلات باعتبارها دعمًا مباشرًا للحرب يعطي انطباعًا مضللًا، موضحة أن إيطاليا سمحت فقط برحلات تقنية ولوجستية وغير حركية في إطار الاتفاقيات الثنائية القائمة مع الولايات المتحدة.
وأكدت السلطات الإيطالية أن أي طلبات تتجاوز هذا الإطار لم تحصل على موافقة روما.
وبذلك ظهر اختلاف واضح بين توصيف روته للدور الأوروبي، وبين تفسير بعض الحكومات لطبيعة الدعم الذي قدمته قواعدها.
الدعم اللوجستي.. عنصر حاسم في الحروب الجوية
وراء هذا الخلاف سؤال عسكري أكثر تعقيدًا: أين ينتهي الدعم اللوجستي وتبدأ المشاركة في العمليات؟
فالعمليات الجوية بعيدة المدى تعتمد على شبكة واسعة من المنشآت والقواعد، تشمل التزود بالوقود، والصيانة، والنقل، والاتصالات، والاستطلاع، وإدارة الحركة الجوية، إلى جانب تمركز الطائرات والمعدات.
ولهذا فإن استخدام قاعدة عسكرية لا يعني بالضرورة أن الطائرات الموجودة فيها نفذت ضربات، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن اعتماد العمليات العسكرية الحديثة على منظومة متكاملة تتجاوز موقع إطلاق الصاروخ أو القنبلة.
ومن هنا تأتي أهمية أرقام روته، لأنها لا تتحدث عن رحلة واحدة أو قاعدة واحدة، بل عن آلاف الرحلات التي استفادت من شبكة القواعد الأوروبية خلال فترة زمنية قصيرة.
أوروبا ليست كتلة واحدة
رغم حجم التعاون العسكري الأمريكي الأوروبي، فإن مواقف الدول الأوروبية لم تكن متطابقة.
ففي الوقت الذي سمحت فيه بعض الدول باستخدام بنيتها العسكرية في إطار اتفاقيات قائمة، اتخذت دول أخرى مواقف أكثر تحفظًا بشأن استخدام قواعدها في العمليات ضد إيران.
وكانت إسبانيا من أبرز الحالات التي أثارت اهتمامًا خلال الأزمة، بعدما رفضت السماح باستخدام قواعدها المشتركة مع الولايات المتحدة لتنفيذ عمليات مرتبطة بالحرب خارج الحدود التي تسمح بها الاتفاقيات القائمة.
وتكشف هذه المواقف أن القرارات المتعلقة باستخدام القواعد لم تصدر عن قرار موحد من أوروبا، وإنما ارتبطت بسياسات وطنية واتفاقيات ثنائية مع الولايات المتحدة.
وهذا يتفق مع توضيح روته نفسه بأن الترتيبات التي سمحت بالطلعات الأمريكية جاءت عبر اتفاقيات ثنائية بين واشنطن ودول أوروبية، وليس من خلال قرار جماعي لحلف الناتو بالمشاركة في الحرب.
ماذا يعني ذلك للدور الأوروبي؟
تكشف تصريحات الأمين العام للناتو عن اعتماد العمليات الأمريكية على البنية العسكرية الأوروبية، لكنها لا تقدم وحدها إجابة واحدة بشأن درجة انخراط كل دولة.
فالفارق كبير بين دولة تسمح لطائرة بالمرور عبر مجالها الجوي، ودولة توفر قاعدة للتزود بالوقود، وأخرى تسمح بتمركز طائرات عسكرية، ودولة تشارك بصورة مباشرة في تنفيذ العمليات.
ولهذا فإن تحديد المسؤولية السياسية أو القانونية عن العمليات العسكرية يحتاج إلى النظر في طبيعة كل نشاط، والجهة التي اتخذت القرار، والمهام التي نفذت بالفعل.
كما أن إثبات استخدام قاعدة أوروبية في دعم عمليات أمريكية لا يعني تلقائيًا إثبات مسؤولية الدولة المضيفة عن كل عملية نفذتها القوات الأمريكية.
اعتراف يفتح ملف السيادة
لكن البعد السياسي لتصريحات روته يبقى مهمًا.
فعندما يقول الأمين العام للناتو إن آلاف الطلعات الأمريكية انطلقت من قواعد أوروبية، وإن القارة شكلت منصة لإسقاط القوة الأمريكية، فإن ذلك يسلط الضوء على حجم الترابط بين القدرات العسكرية الأمريكية والبنية الدفاعية الأوروبية.
كما يعيد النقاش إلى قضية السيادة الأوروبية، ومدى قدرة الحكومات على التحكم في استخدام المنشآت العسكرية الموجودة على أراضيها عندما تكون مرتبطة باتفاقيات دفاعية طويلة الأمد مع واشنطن.
ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية في ظل الخلافات داخل أوروبا نفسها حول حدود الدعم الذي يمكن تقديمه للولايات المتحدة في العمليات العسكرية خارج نطاق الدفاع الجماعي للحلف.
بين رواية واشنطن ومواقف العواصم الأوروبية
تكشف المعطيات المتاحة حتى الآن عن ثلاث حقائق رئيسية: أولًا، أن آلاف الطلعات الأمريكية استفادت من قواعد أوروبية خلال الحرب، وفق تصريحات موثقة لروته؛ ثانيًا، أن هذه العمليات استندت إلى ترتيبات واتفاقيات ثنائية، وليس إلى قرار جماعي من الناتو بالمشاركة في الحرب؛ وثالثًا، أن بعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها إيطاليا، ترفض توصيف دعمها اللوجستي باعتباره مشاركة في العمليات القتالية.
وبالتالي، فإن رقم 5 آلاف طلعة لا يغلق الجدل حول الدور الأوروبي، بل يفتح ملفًا أوسع يتعلق بطبيعة التعاون العسكري بين واشنطن والعواصم الأوروبية، وحدود استخدام القواعد والمجال الجوي، والفصل بين الدعم اللوجستي والمشاركة المباشرة في العمليات.
وفي الوقت الذي يواصل فيه الناتو التأكيد على أن الحرب لم تكن عملية للحلف ككل، فإن تصريحات أمينه العام وضعت حجم الاعتماد الأمريكي على البنية العسكرية الأوروبية أمام الرأي العام، لتبدأ مرحلة جديدة من الأسئلة حول مدى ارتباط أوروبا بالعمليات العسكرية الأمريكية خارج أراضيها، وما إذا كانت الاتفاقيات الثنائية القديمة ما زالت تتناسب مع واقع الصراعات الجديدة.










