لندن – المنشر_الاخباري
لا تتوقف تداعيات الحرب على إيران عند حدود العمليات العسكرية، بل تمتد إلى شرايين التجارة والطاقة في المنطقة، مع اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز وتصاعد المخاطر في باب المندب، الأمر الذي يضع باكستان وتركيا ومصر أمام ضغوط اقتصادية وأمنية متزامنة.
ومع كل يوم إضافي من التوتر، ترتفع كلفة التأمين والشحن والطاقة، فيما تواجه الدول الثلاث تحديات أخرى على حدودها ومحيطها الإقليمي؛ باكستان بين إيران والهند وأفغانستان، وتركيا وسط توترات بحر إيجه، ومصر بين أمن البحر الأحمر والحدود مع إسرائيل والسودان وليبيا.
هرمز.. شريان الطاقة تحت الضغط
يأتي مضيق هرمز في مقدمة نقاط الاختناق التي فرضتها الحرب، بعدما هبطت حركة السفن التجارية عبره بصورة حادة.
وأظهرت بيانات ملاحية أن سفينتين تجاريتين فقط عبرتا المضيق في أحد أيام سبتمبر، مقابل متوسط سابق بلغ نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يوميًا قبل تصاعد الصراع في فبراير. كما تعرضت ناقلتان لحوادث داخل المضيق، بينما لم تُحسم مسؤولية تلك الحوادث بشكل نهائي.
هذا التراجع لا يعني فقط تأخير وصول الشحنات، بل يرفع أيضًا تكلفة التأمين والنقل، ويزيد المخاطر أمام الدول التي تعتمد على واردات النفط والغاز.
وتنعكس هذه التطورات سريعًا على الاقتصادات الآسيوية والأوروبية، حيث يمكن أن تتحول زيادة تكلفة الطاقة إلى ارتفاع في أسعار النقل والإنتاج والغذاء.
باب المندب.. الأزمة تنتقل إلى البحر الأحمر
في الجهة الأخرى من المنطقة، يواجه باب المندب تحديات أمنية متصاعدة على خلفية الحرب في اليمن.
وأدت المخاطر المتزايدة إلى إعادة حسابات شركات الشحن لمساراتها، خصوصًا مع استمرار القتال على الساحل اليمني وتنامي المخاوف بشأن سلامة السفن في البحر الأحمر. وقد شهدت المنطقة خلال سبتمبر تطورات عسكرية عززت المخاوف بشأن أمن هذا الممر الحيوي.
ويمثل باب المندب أهمية خاصة لمصر، لأنه البوابة الجنوبية لقناة السويس، وأي اضطراب طويل فيه يمكن أن يدفع شركات الشحن إلى العودة لمسارات أطول حول رأس الرجاء الصالح.
مصر.. السويس أمام اختبار جديد
تأتي مصر في مقدمة الدول المتأثرة بأي اضطراب طويل في البحر الأحمر، نظرًا لاعتمادها على قناة السويس كمصدر رئيسي للعملة الأجنبية.
ومع ذلك، فإن حركة القناة أظهرت مؤشرات على التعافي خلال أغسطس 2026، إذ عبرت 1,358 سفينة، بزيادة 27% على أساس سنوي، فيما ارتفعت الإيرادات إلى نحو 567.1 مليون دولار.
لكن هذا التعافي يظل معرضًا للانتكاس إذا اتسعت المخاطر في باب المندب أو امتدت المواجهات إلى طرق الملاحة الرئيسية.
وتراقب القاهرة في الوقت نفسه التطورات في البحر الأحمر واليمن، إضافة إلى الحرب في السودان والتوترات على حدودها مع ليبيا وإسرائيل، ما يجعل أمن الملاحة جزءًا من معادلة أمن قومي أوسع.
باكستان.. ثلاث حدود وأزمة طاقة
أما باكستان، فتجد نفسها في وضع جغرافي شديد التعقيد.
فالبلاد تشترك في حدود مع إيران، بينما تواجه توترات أمنية مع أفغانستان، إلى جانب استمرار التنافس مع الهند.
وفي ظل ارتفاع أسعار النفط واضطراب طرق التجارة، تصبح كلفة الطاقة عامل ضغط إضافيًا على الاقتصاد الباكستاني.
وتحاول إسلام آباد في الوقت نفسه لعب دور دبلوماسي في الأزمة الإيرانية، بينما تحتاج إلى إبقاء قواتها ومواردها مركزة على ملفات أمنية أخرى على حدودها.
وهنا تكمن حساسية الموقف: أي ارتفاع مستمر في أسعار الطاقة قد يفاقم الضغوط على العملة والتضخم والحسابات الخارجية، في وقت لا تزال فيه البلاد تتعامل مع تحديات اقتصادية وأمنية متراكمة.
تركيا.. بين الطاقة وبحر إيجه
تركيا بدورها تقع في قلب تداعيات الأزمة، بسبب اعتماد اقتصادها على واردات الطاقة وموقعها كحلقة وصل تجارية بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
وأي ارتفاع كبير ومستمر في أسعار النفط والغاز يمكن أن يرفع تكاليف الإنتاج والنقل ويؤثر في تنافسية الصادرات التركية.
لكن الضغوط لا تأتي من البحر فقط.
فأنقرة تواجه أيضًا خلافات متجددة مع اليونان بشأن بحر إيجه والحدود البحرية، ما يضيف بعدًا أمنيًا إلى التحديات الاقتصادية الناجمة عن اضطراب المنطقة.
وبالنسبة لتركيا، فإن استمرار اضطراب طرق التجارة والطاقة يضع طموحها في التحول إلى مركز إقليمي للنقل والطاقة أمام اختبار جديد.
صدمة واحدة.. ثلاث ساحات
القاسم المشترك بين الدول الثلاث هو أن الحرب تضربها بطريقة غير مباشرة، لكنها تضيف ضغوطًا جديدة إلى أزمات قائمة بالفعل.
في باكستان، تأتي صدمة الطاقة فوق توترات الحدود.
وفي تركيا، تتزامن مخاطر الطاقة والتجارة مع التوترات في بحر إيجه.
أما مصر، فتواجه حساسية مضاعفة بسبب ارتباط اقتصادها بقناة السويس، بالتزامن مع التحديات الأمنية في البحر الأحمر والسودان وليبيا وسيناء.
وتؤكد التحركات الإقليمية الأخيرة أن أمن الملاحة أصبح ملفًا يتجاوز الدول المطلة على الممرات البحرية، إذ ناقشت قوى إقليمية ودولية ضرورة ضمان حرية الملاحة في هرمز وباب المندب ووقف التصعيد في اليمن.
من البحر إلى الأسواق
المخاطر الحقيقية لا تكمن فقط في احتمال توقف سفينة أو تغيير مسار ناقلة، وإنما في تراكم هذه الصدمات على مدى أسابيع أو أشهر.
فارتفاع أسعار النفط يرفع تكاليف النقل، واضطراب الملاحة يزيد أقساط التأمين، وتحويل السفن إلى مسارات أطول يرفع استهلاك الوقود، بينما تنتقل هذه التكاليف في النهاية إلى الشركات والمستهلكين.
وبينما تحاول مصر الحفاظ على تعافي قناة السويس، وتسعى تركيا إلى حماية دورها كممر للطاقة والتجارة، وتعمل باكستان على احتواء الضغوط الاقتصادية والأمنية، يبقى استمرار الحرب العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد حجم التداعيات.
وفي حال اتساع رقعة المواجهة، قد تتحول الممرات البحرية من مجرد ساحات عبور إلى أدوات ضغط اقتصادي واستراتيجي، تمتد آثارها من أسواق الطاقة إلى أسعار الغذاء والعملات وحركة التجارة العالمية.










