بعد مرور أربع سنوات فقط على توقيع اتفاقية السلام التاريخية في بريتوريا التي وضعت وزراً أطرافاً لنزاع مدمر في إثيوبيا، عادت المعارك والاشتباكات المسلحة لتشتعل من جديد في شمال البلاد، مثيرة تساؤلات ملحة وعميقة حول قدرة الدبلوماسية الدولية والإقليمية على إطلاق مسار سلام جديد يمنع انزلاق البلاد نحو صراع طويل الأمد.
وفي تحليل موسع نشرته شبكة “دويتشه فيله” (DW)، سلط المراقبون الضوء على جملة من الأسباب الجوهرية التي تقف خلف هذا التدهور، أبرزها القضايا والملفات العالقة من حرب الفترة (2020-2022)، فضلاً عن تراجع الاهتمام والمشاركة الدولية بعد توقيع اتفاق السلام، وظهور تحالفات مسلحة جديدة معقدة تشهدها الساحة الإثيوبية.
إقصاء أطراف رئيسية وانضمام فصائل جديدة
وأوضح نيغاش محمد، الصحفي في قسم اللغة الأمهرية بقناة “دويتشه فيله”، أن اتفاقية بريتوريا تعرضت لثغرات هيكلية تمثلت في استبعاد ثلاثة أطراف فاعلة وأساسية في الصزاع السابق؛ وهي: إريتريا، وميليشيات أمهرة “فانو”، والعناصر المتشددة داخل جبهة تحرير شعب تيغراي. وأشار إلى أن الحملات الحكومية اللاحقة لنزع سلاح مقاتلي فانو أسهمت في تأجيج المظالم وتعميق الفجوة.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل ازداد المشهد السياسي والعسكري تعقيداً مع بروز تحالف معارض جديد يضم جيش تحرير أورومو، وفصيلاً من جبهة تحرير أوغادين الوطنية، إلى جانب جماعات مسلحة من إقليمي بني شنقول-جوموز وعفار، مما وسع دائرة التهديد.
تحديات الوساطة وانقسامات التحالفات
من جهتها، صرحت باتريشيا رودريغز، كبيرة المحللين في شركة “كونترول ريسكس”، للشبكة الألمانية، بأن مستوى التنسيق بين تلك الجماعات المسلحة بدا “كبيراً للغاية”، مرجحة في الوقت ذاته أن تباين المصالح وقواعد الدعم الشعبي لتلك الفصائل قد يفضيان في نهاية المطاف إلى انقسامات داخلية. وتوقعت رودريغز أن يظل القتال محصوراً في النطاق الجغرافي للشمال، وتحديداً حول أقاليم تيغراي وأمهرة وعفار، دون أن يتسع ليطال عموم البلاد.
وعزت المحللة جزءاً رئيسياً من الأزمة الراهنة إلى التخلي الدولي التدريجي عن متابعة اتفاقية بريتوريا؛ إذ اقتصر الاهتمام على مراحل التنفيذ المبكرة وتسليم الأسلحة الثقيلة، وغابت الرقابة المستمرة، مما منح الأطراف فرصة لإعادة تسليح نفسها وحشد الأنصار.
معاناة إنسانية متجددة ومخاوف أممية
أسفر تجدد القتال عن موجات نزوح جديدة طالت المدنيين، فضلاً عن انقطاع شبكات الاتصالات والخدمات الأساسية كالكهرباء وتعطل حركة الطيران، مما ضاعف من مأساة السكان الذين لم يستردوا عافيتهم بعد آثار الحرب السابقة.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أوفد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مبعوثاً خاصاً إلى منطقة القرن الأفريقي. ورغم هذه التحركات، حذر المحللون من أن فرص نجاح أي وساطة تظل محدودة للغاية، ما لم تقتنع أطراف النزاع بأن لغة العنف والسلاح لن تحققا أهدافها السياسية، وأن الحوار هو السبيل الوحيد لتفادي كارثة وشيكة.











