قفزت كلفة الاقتراض الحكومي في فرنسا إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقدين، وذلك على وقع موجة بيع عارمة ضربت أسواق السندات العالمية، بالتزامن مع تفاقم مستويات الدين العام والعجز المالي، والمخاوف المتصاعدة من استمرار الضغوط التضخمية بفعل الارتفاع الحاد في أسعار النفط والطاقة.
وأظهرت البيانات المالية أن العائد على السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات قد لامس مستوى 4.96% يوم الخميس الماضي، مسجلا بذلك أعلى قمة له منذ عام 2002.
وفي السياق ذاته، اتسع الفارق الحرج بين عوائد السندات الفرنسية ونظيراتها الألمانية المماثلة ليصل إلى نحو 133 نقطة أساس، وهو الفارق الأعلى والأوسع من نوعه منذ أزمة ديون منطقة اليورو الشهيرة في عام 2012.
مؤشر علاوة المخاطر وأعباء الدين القياسي
ويكتسب اتساع هذا الفارق مع السندات الألمانية أهمية استراتيجية بالغة باعتباره مؤشرا رئيسيا على ارتفاع “علاوة المخاطر” التي يطالب بها المستثمرون للاحتفاظ بالدين السيادي الفرنسي، مما يؤكد أن الضغوط الحالية لا تقتصر فحسب على موجة البيع العالمية في أدوات الدخل الثابت، وإنما تعكس مخاوف عميقة حيال هشاشة الأوضاع المالية العامة لباريس.
وتتزامن هذه الضغوط مع إعلان المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء أن الدين العام الفرنسي قد سجل رقما قياسيا جديدا بلغ 3.595 تريليون يورو بنهاية الربع الثاني من عام 2026، مرتفعا بنحو 59.6 مليار يورو خلال ثلاثة أشهر فقط، ليصل بذلك إلى نسبة 119 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ 117.5 بالمائة في نهاية الربع الأول.
وعلى الرغم من مساعي الحكومة الفرنسية الحثيثة لطمأنة الأسواق والمستثمرين عبر حزم إجراءات صارمة لضبط المالية العامة وخفض عجز الميزانية إلى 5 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، إلا أن عيون المراقبين تبقى مسلطة على مدى قدرة الفريقي الحكومي على تنفيذ خططه الفعلية والحد من نزيف الدين.
انعكاسات مباشرة على الخزانة وكلفة التمويل
وقد انعکس هذا المناخ السلبي بشكل مباشر وفوري على كلفة الاقتراض الجديدة؛ إذ نجحت وكالة الخزانة الفرنسية، في الأول من تشرين الأول الجاري، في بيع سندات طويلة الأجل بقيمة تقارب 12 مليار يورو، ولكن بعوائد مرتفعة للغاية تراوحت بين 4.93% و5.40% حسب آجال الاستحقاق، مقارنة بمتوسط عائد لم يتجاوز 3.55% على الإصدارات الفرنسية طوال عام 2026 وحتى نهاية أيلول الماضي.
وجاء هذا القفزة في العوائد الفرنسية ضمن موجة بيع أوسع نطاقا في أسواق السندات العالمية، حيث يعيد المستثمرون تقييم مسار التضخم وأسعار الفائدة وسط هواجس حقيقية من أن تؤدي أزمة أسعار النفط إلى إبقاء الضغوط التضخمية وأسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول من المتوقع.
ورغم أن المؤشرات لا توحي حتى اليوم بوجود عجز أو صعوبة فعلية أمام فرنسا في الوصول إلى أسواق التمويل الدولية في ظل استمرار الطلب على إصداراتها، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في السعر المرتفع الذي بات يفرضه المستثمرون لتمويل الديون؛ إذ إن استمرار العوائد عند هذه المستويات القياسية يعني أن إصدار ديون جديدة وإعادة تمويل الالتزامات المستحقة سيجريان تدريجيا بكلفة باهظة، مما يضاعف من أعباء خدمة الفوائد ويزيد من الضغوط الهيكلية على المالية العامة للبلاد.









