الرياض- المنشر_الاخباري
تستعد السعودية لمرحلة جديدة في سوق الغاز الطبيعي، مع بحث شركة أرامكو عن خيارات لتصدير كميات إضافية من الغاز، في ظل توقعات بارتفاع الإنتاج خلال السنوات المقبلة إلى مستويات قد تتجاوز احتياجات السوق المحلية، مدفوعة بالتوسع في مشروع الجافورة العملاق.
وبحسب تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز»، تدرس أرامكو عدة خيارات للتعامل مع الفائض المتوقع، من بينها تطوير أسواق خارجية للغاز، ودراسة إنشاء أعمال للغاز الطبيعي المسال، إلى جانب احتمال فصل أنشطة الغاز في كيان مستقل وطرح حصة منه في سوق الأسهم. ولم تُحسم هذه الخيارات بشكل نهائي حتى الآن.
ويأتي التحرك في وقت أصبح فيه الجافورة أحد أهم مشروعات الطاقة في المملكة، إذ تستهدف السعودية من خلاله زيادة إنتاج الغاز وتلبية الطلب المحلي المتنامي، خصوصًا في قطاع توليد الكهرباء، مع تحرير مزيد من النفط الخام للتصدير.
وبدأ الجافورة الإنتاج في عام 2025، بينما من المتوقع أن تبدأ المرحلة الثانية من المشروع بحلول عام 2030. وتستهدف أرامكو زيادة إنتاج الغاز بنحو 80% مقارنة بمستويات عام 2021 بحلول نهاية العقد.
ووفق تقديرات شركة «وود ماكنزي»، قد يصل إنتاج السعودية من الغاز إلى نحو 180 مليار متر مكعب سنويًا، مع احتمال وجود فائض يصل إلى 50 مليار متر مكعب بعد تلبية احتياجات السوق المحلية.
وتراهن المملكة على قطاعات جديدة، بينها مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، لاستيعاب جزء من الزيادة في الطلب على الغاز. لكن نمو الإنتاج قد يجعل البحث عن مشترين خارجيين خيارًا مطروحًا بقوة إذا لم يتمكن الاستهلاك المحلي من مواكبة الزيادة.
الغاز المسال على طاولة أرامكو
ومن بين الخيارات التي تدرسها السعودية التوسع في سوق الغاز الطبيعي المسال، وهو ما قد يضع المملكة في منافسة مباشرة مع منتجين إقليميين مثل الإمارات وسلطنة عُمان.
وتحتاج هذه الخطوة إلى استثمارات ضخمة في منشآت تسييل الغاز ومحطات التصدير، فيما تشير المعلومات المتاحة إلى أن مقترحات لإنشاء محطة تصدير مرتبطة بالمرحلة الثانية من الجافورة طُرحت بالفعل، لكنها لم تتحول إلى مشروع نهائي حتى الآن.
وتعطي الرياض في الوقت الحالي الأولوية لتلبية الطلب المحلي، خصوصًا مع تحول قطاع الكهرباء تدريجيًا من الاعتماد على النفط إلى الغاز، بما يسمح بتوجيه كميات أكبر من الخام السعودي إلى الأسواق العالمية.
«مشروع جاما».. خطوة لإعادة هيكلة أعمال الغاز
وبالتوازي مع دراسة التصدير، تعمل أرامكو على فصل أعمال الغاز في كيان مستقل ضمن مبادرة تعرف باسم «مشروع جاما»، مع احتمال طرح هذا الكيان في سوق الأسهم مستقبلًا.
وتندرج الخطوة ضمن توجه أوسع لدى الشركة لتعظيم قيمة أصولها وتحسين كفاءة رأس المال، في وقت تبحث فيه عن مصادر تمويل لدعم توسعها في الغاز والنفط ومشروعات الطاقة الدولية.
لكن فكرة طرح أعمال الغاز تواجه تساؤلات بشأن جدواها، خصوصًا أن بعض الأصول الدولية لأرامكو في مجال الغاز الطبيعي المسال قد تبقى خارج الكيان الجديد، بينما لا تزال خطط إنشاء منشآت محلية لتصدير الغاز المسال غير محسومة.
كما أن أسعار الغاز المحلية التي تحددها الحكومة تمنح أعمال الغاز تدفقات مالية مستقرة، وهو ما قد يجعل بعض صفقات التأجير وإعادة التأجير خيارًا بديلًا عن الطرح العام.
ضغط الإنفاق على أرامكو
وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه أرامكو ضغوطًا مالية متزايدة نتيجة تعدد التزاماتها، من زيادة إنتاج الغاز والحفاظ على الطاقة الإنتاجية النفطية إلى الاستثمار في مشروعات الغاز الطبيعي المسال عالميًا وتمويل توزيعات الأرباح.
وفي الوقت نفسه، تعتمد رؤية السعودية لتنويع الاقتصاد على إنفاق ضخم في قطاعات السياحة والطيران والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية، ما يزيد الحاجة إلى تعظيم العوائد من أصول الطاقة.
وتمنح استراتيجية الغاز الجديدة السعودية فرصة لإعادة تشكيل مزيج الطاقة المحلي، إذ يمكن للغاز أن يحل محل جزء من النفط المستخدم في توليد الكهرباء، ما يتيح تصدير مزيد من الخام بدلًا من استهلاكه محليًا.
ومع اقتراب الجافورة من مراحل إنتاج أكبر، تبدو أرامكو أمام قرار استراتيجي مهم: هل تكتفي باستخدام الغاز محليًا، أم تتحول إلى لاعب رئيسي في سوق الغاز العالمي؟
وفي حال اختارت الرياض مسار التصدير، فقد يشكل ذلك تحولًا مهمًا في موقع السعودية داخل أسواق الطاقة، من دولة تعتمد بشكل أساسي على صادرات النفط إلى منتج قادر على المنافسة أيضًا في سوق الغاز الطبيعي المسال.










