أطلق كين مكالوم، المدير العام لجهاز الأمن الداخلي ومكافحة التجسس البريطاني “إم آي 5″، تحذيرات استثنائية بشأن دخول المملكة المتحدة في “حقبة جديدة” من الإرهاب والتطرف، مشددا على أن هذه المرحلة المتسارعة تتطلب استجابة أمنية ومجتمعية جديدة كليا.
وجاء تحذير كين مكالوم ضمن التحديث السنوي للتهديدات الذي أعلنه مكالوم مؤخرا، والتي سلطت عليها الضوء من خلال تحليل مفصل قدمه كل من عزرا هيس، الباحث المشارك في دراسات الشرق الأوسط لدى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، وفرح بانديث، الزميلة البارزة في المجلس والخبيرة المتخصصة في مكافحة التجسس والتطرف.
طبيعة التهديدات المتعددة وأبعادها الإنسانية
أشار التقرير التحليلي إلى أن مكالوم حذر من أن تأثيرات التهديدات الواسعة التي تواجهها البلاد في عام 2026 باتت تمس حياة الإنسان بشكل وثيق ومباشر.
وتشمل التهديدات المعاصرة مجموعة من الأنشطة الخطيرة مثل الحرق العمد، والتخريب المنظم، والهجمات السيبرانية المعقدة، وأساليب الإكراه، فضلا عن أعمال العنف المختلفة.
ومن جانبها، أوضحت فرح بانديث أن الجانب الإيجابي الأبرز في خطاب مدير “إم آي 5” تمثل في تركيزه العميق على الأشخاص والبعد الإنساني، إذ إن أحد الأهداف الرئيسية للتطرف هو تفكيك تماسك المجتمعات.
وتابعت بانديث مؤكدة أن الأطراف التي تسعى لإلحاق الضرر بالمجتمع البريطاني تتعمد زرع الفرقة والانقسام وتأليب الأفراد ضد بعضهم البعض، وهو ما يخلق المناخ المثالي لزدهار الفكر المتطرف.
وللتصدي لهذه المخاطر، شددت على ضرورة تعديل الاستجابة المجتمعية والمؤسسية وعدم الاكتفاء بالتدابير التقليدية، بل التركيز على الأفراد الذين يشكلون النسيج المجتمعي.
ركائز الصمود الثلاثة ومفهوم “الفريق الشامل”
تميز خطاب مكالوم بتأكيد محوري على مفهوم الصمود، حيث حدد ثلاثة جوانب أساسية لا غنى عنها لمواجهة التحديات الراهنة يشمل حماية البنية التحتية الحيوية والحفاظ على استقرارها وسلامتها.
وويتعلق بالتصدي الفعال لجهود التشويه والتقسيم وتأليب المكونات المجتمعية، ويركز بصفة خاصة على التحديات والمخاطر المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأكد مكالوم أن الصمود ليس مفهوما مجردا نظريا، بل هو ممارسة يومية يجب بناؤها وتعزيزها كل ساعة، مشيرا إلى أن لكل فرد في المجتمع دورا أساسيا في هذا البناء.
كما تحدث عن ضرورة توسيع نطاق ما أسمه “الفريق الشامل”، قاصدا بذلك التكاتف الوثيق بين شرائح المجتمع المختلفة، وشركات الذكاء الاصطناعي، ومؤسسات المجتمع المدني، وصناع السياسات، لصياغة نهج وطني موحد يواجه التهديدات المتنامية للأمن القومي.
تحديات الذكاء الاصطناعي والابتكار الأمني
شكلت التهديدات الناشئة عن التكنولوجيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي محورا بارزا في النقاش.
وفي هذا السياق، لفتت التقارير إلى قيام وزارة الأمن الداخلي بعرض نموذج حي يظهر خطورة هذه الأدوات؛ حيث بث فيديو لمذيع أخبار يرتدي خوذة وملابس قتالية على منصة تابعة لتنظيم داعش عقب الهجوم الذي شنه التنظيم عام 2024 على قاعة موسيقية روسية.
وتبين لاحقا أن هذا المذيع مولد بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي كجزء من برنامج دعائي يدعى “حصاد الأخبار”.
واعتبر الخبراء أن إنشاء جهاز “إم آي 5” لمركز جديد لتقييم تهديد الذكاء الاصطناعي يمثل خطوة استباقية ومنطقية لمواجهة هذه المخاطر سريعة التطور.
انتقادات تحليلية: دور الخوارزميات وغياب مفاهيم الكراهية
على الرغم من شمولية الطرح، سجل الباحثان بعض الملاحظات النقدية؛ إذ غاب عن خطاب مكالوم تسليط الضوء الكافي على دور الخوارزميات في تغذية “غرف الصدى” الرقمية وتسهيل عمليات التطرف.
وأوضح التقرير أن أجهزة الاستخبارات تواجه عصرا جديدا تتغذى فيه الأفكار المتطرفة عبر الإنترنت، والتزييف العميق، ووسائل التواصل الاجتماعي، مما يزيد معدلات الجرائم الإرهابية.
وأشار مكالوم إلى أن الشباب باتوا عرضة للتطرف عبر الإنترنت، مستشهدا بحالة فتى في الثالثة عشرة من عمره استجوبه جهاز الأمن الداخلي بسبب ارتباطه بالإرهاب اليميني المتطرف.
ورغم ذلك، يرى الخبراء أن الحكومات أخفقت على مدار الأعوام الخمسة والعشرين الماضية –منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر– في فهم العقلية العمرية للأطفال والمراهقين وكيفية استدراجهم نحو التطرف، مؤكدين ضرورة تطوير نماذج صمود مخصصة لمختلف الفئات العمرية.
كما لفت التقرير إلى ملاحظة بارزة تتمثلت في خلو خطاب مكالوم تماما من كلمة “الكراهية”، رغم تفاقم جرائم الكراهية في المملكة المتحدة، حيث سجلت زيادات ملحوظة بنسبة 7% في إنجلترا وويلز خلال العام المنتهي في مارس 2026، فضلا عن ارتفاع بنسبة 15% في الجرائم الدينية الموجهة ضد المسلمين، وبنسبة 10% في الجرائم الموجهة ضد اليهود.
واختتم الخبراء بالتشديد على أهمية استخدام القوة الناعمة وربط الاستقطاب المجتمعي وانعدام الثقة بالثغرات الأمنية الوطنية التي قد تستغلها العناصر الإرهابية أو الجهات المعادية.










