تجيل ثالث لمبادرة “صُنع في أوروبا” وسط خلافات متصاعدة واحتدام صراع المصالح داخل الاتحاد
باريس – المنشر الإخباري
فرنسا تُعيد إطلاق ملف السيادة الصناعية الأوروبية على نار الخلافات بين الأعضاء، في مواجهة ضغوط شركاء خارجيين وتحفظات حول تكلفة وتأثير السياسات على سلاسل الإمداد
في تطور جديد يعكس الانقسامات الحادة داخل الاتحاد الأوروبي، تم تأجيل إطلاق مبادرة “صُنع في أوروبا” للمرة الثالثة، بعد أن فشلت الدول الأعضاء في التوصل إلى توافق بشأن تحديد نطاق التنفيذ وآثاره المحتملة على الأسواق وسلاسل الإمداد.
المبادرة التي تقودها باريس تستهدف إعطاء أفضلية للمنتجات الأوروبية في المشتريات العامة ودعم الصناعات الاستراتيجية المحلية، ليست مجرد برنامج اقتصادي بل معركة استراتيجية لإعادة إطلاق القاطرة الصناعية الأوروبية في مواجهة الضغوط المتصاعدة من الولايات المتحدة والصين.
لكن هذا الهدف الطموح اصطدم بجدار من الخلافات العميقة بين دول الاتحاد، التي انقسمت حول ما إذا كانت الأفضلية يجب أن تُمنح فقط للدول الأعضاء، أو أن تشمل أيضًا شركاء خارجيين “موثوقين” مثل أمريكا وبريطانيا، وهو ما يثير أسئلة حاسمة حول الانفتاح التجاري مقابل حماية الصناعات المحلية.
كما ظهرت تحفظات قوية من جانب بعض الدول حول التأثير المحتمل لهذه السياسات على التكاليف وسلاسل الإمداد، خاصة في صناعات مثل الصلب والمنتجات الصناعية منخفضة الانبعاثات، التي تواجه بالفعل تحديات في المنافسة مع نظيراتها في الولايات المتحدة والصين.
أعمق من مجرد تأجيل
المبادرة، التي كانت تُعتبر نقطة ارتكاز أساسية في جهود باريس لتعزيز السيادة الاقتصادية الأوروبية، لم تتأخر بسبب خلاف تقني فحسب، بل بسبب صراع أيديولوجي بين من يريد حماية التصنيع المحلي وبين من يخشى الإضرار بالانفتاح التجاري الأوروبي.
يعكس هذا الجدل إحساسًا متزايدًا لدى صناع السياسة في بروكسل بضرورة تقليص الفجوة التنافسية مع الولايات المتحدة والصين، اللتين تتبعان سياسات دعم صناعي صلبة تستهدف استعادة تفوقهما الصناعي العالمي. وقد دفع ذلك بعض دول الاتحاد إلى التساؤل عن جدوى البقاء في نموذج “الانفتاح بلا حدود”، خاصة مع تداعيات سلاسل الإمداد التي ضربتها جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا.
في المقابل، يرى منتقدو المبادرة أن ربط الدعم الصناعي بالمعايير البيئية – وهو أحد البنود الأساسية في المقترح – قد يزيد من تكاليف الإنتاج ويضع الصناعة الأوروبية في مرمى المنافسة الأقل كلفة عالميًا، ما يضع الاتحاد في مأزق بين حماية المناخ وتحفيز الصناعة.
فرنسا تسعى لإعادة توجيه السياسة الاقتصادية الأوروبية
باريس، التي تقف في طليعة الداعمين للمبادرة، ترى أن تعزيز “صُنع في أوروبا” ليس خيارًا بل ضرورة استراتيجية. وقد أكدت مصادر دبلوماسية أن فرنسا تسعى من ورائها إلى:
- تعزيز القدرة التنافسية الصناعية الأوروبية، خصوصًا في الصناعات عالية التقنية وصناعة الاستثمار.
- تقليل الاعتماد على سلاسل توريد خارجية غير مستقرة، كما حدث خلال أزمات الطاقة والمواد الخام الأخيرة.
- ربط الحوافز الصناعية بالمعايير البيئية، بما يُعزز من التزام أوروبا بأهداف المناخ.
غير أن هذه الطموحات اصطدمت بمقاومة من دول تعتمد صناعاتها وميزانياتها على دعم الاستيراد والانفتاح التجاري، مما جعل من الاتفاق على القواعد التنفيذية للمبادرة تحديًا أكبر من المتوقع.
ردود فعل وتحفظات دولية
لم تقتصر الخلافات على الداخل الأوروبي، إذ أثار مشروع “صُنع في أوروبا” تحفظات لدى شركاء تجاريين كبار مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، اللتين عبرتا عن قلقهما من احتمال تبني سياسات تقييدية قد تضر بالتجارة الحرة وتؤدي إلى ردود انتقامية على الصادرات الأوروبية.
وبرغم أن المبادرة لم تُصدر في شكل نهائي، إلا أن ردود الفعل الدولية وحدها تكشف أن القضية لم تعد اقتصادية فحسب، بل سياسية واستراتيجية على مستوى العلاقات بين القوى الكبرى.
خطر التفكك الداخلي والرهان على الاستعادة
تأجيل طرح المبادرة للمرة الثالثة يعكس إلى حد كبير صعوبة التوصل إلى توافق أوروبي حول سياسات الحماية الصناعية، خاصة في ظل تباين الأولويات بين دول تشدد على تعزيز السيادة الاقتصادية، وأخرى ترى أن الانفتاح التجاري وسلاسل التوريد العالمية أكثر أهمية لضمان النمو والتوظيف.
هذا الجدل يضع الاتحاد الأوروبي أمام مخاطر تفكك داخلي محتمل في ملف حيوي مرتبط بقوة اقتصاده وقدرته على المنافسة الدولية، في وقت تُظهر فيه البيانات أن الصناعات الأوروبية تتراجع أمام نظيراتها الأمريكية والصينية في قطاعات رئيسية مثل التكنولوجيا المتقدمة والبطاريات والطاقة النظيفة.
وأمام هذا الواقع، تشير مصادر مراقبة إلى أن أوروبا قد تدخل في مرحلة جديدة من إعادة التفكير في نموذجها الاقتصادي، قد تتجاوز فيها المبادرة الحالية إلى سياسات أوسع تدعم التصنيع الوطني دون المساس بأسس التجارة الحرة.
أوروبا بين السيادة والانفتاح
تعكس أزمة “صُنع في أوروبا” التوتر البنيوي في السياسات الأوروبية بين:
- ضرورة تعزيز السيادة الصناعية ومواجهة النفوذ التجاري الأميركي والصيني،
- والحفاظ على الانفتاح التجاري الذي شكل حجر الأساس في النمو الأوروبي لعقود.
وفي ظل تأجيل ثالث للمبادرة، يبقى السؤال الأكبر: هل ستتمكن أوروبا من تجاوز خلافاتها الداخلية لإطلاق سياسة صناعية موحدة، أم أن هذا المشروع سيظل في مهب التأجيلات والاختلافات، مما يعرّض القارة للخطر في مواجهة قوى صناعية كبرى؟










