جدل متصاعد داخل الكونغرس الأمريكي بين مؤيدين لتقليص التمويل ومعارضين يرون في المنظومة الدفاعية عنصرًا حاسمًا في أمن إسرائيل واستقرار المنطق
واشنطن – المنشر الإخبارى
شهدت الساحة السياسية في الولايات المتحدة تحوّلًا لافتًا في الموقف من تمويل منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية “القبة الحديدية”، بعد سنوات طويلة كان فيها هذا الدعم يُعتبر من الثوابت المشتركة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري. إلا أن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، خاصة في ظل الحرب في غزة والتصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، أعادت فتح الملف داخل الكونغرس الأمريكي وأثارت نقاشًا واسعًا حول جدوى استمرار التمويل المباشر من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين.
تحوّل في المواقف داخل واشنطن
برز خلال الأيام الأخيرة اصطفاف سياسي غير تقليدي داخل الأوساط الليبرالية في واشنطن، حيث انضم عدد من النواب المؤثرين، بينهم ألكساندريا أوكاسيو كورتيز ورو خانا، إلى جانب شخصيات أخرى داخل التيار الديمقراطي التقدمي، في الدعوة إلى إعادة النظر في آلية دعم منظومات الدفاع الإسرائيلية.
وفي خطوة لافتة، دعا رئيس منظمة “جي ستريت” جيريمي بن عامي إلى إنهاء نموذج التمويل المباشر، مقترحًا أن يتم تحويل التعاون العسكري بين واشنطن وتل أبيب إلى صيغة بيع تقني وتسليحي بدلًا من التمويل المباشر، معتبرًا أن إسرائيل تمتلك قدرات اقتصادية تؤهلها لتحمّل تكلفة دفاعها الذاتي دون الاعتماد الكامل على الدعم الأمريكي.
وقال بن عامي إن “الدول الحليفة الغنية لا ينبغي أن تعتمد على دافعي الضرائب الأمريكيين في تمويل دفاعاتها”، مشيرًا إلى أن إسرائيل تتمتع بناتج محلي للفرد أعلى من العديد من الدول الصناعية الكبرى.
تراجع الإجماع التقليدي
لطالما كان تمويل “القبة الحديدية” نقطة توافق نادرة داخل السياسة الأمريكية، حيث حظي المشروع بدعم واسع باعتباره منظومة دفاعية تهدف إلى تقليل الخسائر المدنية وحماية المدنيين من الهجمات الصاروخية.
لكن هذا الإجماع بدأ يتآكل تدريجيًا، مع تصاعد الانتقادات من الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، الذي بات يربط بين استمرار الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل وبين سياساتها الميدانية في الأراضي الفلسطينية.
وبحسب مراقبين، فإن الحرب الأخيرة في غزة، إلى جانب التوترات مع إيران، لعبت دورًا أساسيًا في تعميق هذا الانقسام، خاصة مع تزايد الضغوط الاقتصادية داخل الولايات المتحدة وارتفاع تكلفة المساعدات العسكرية الخارجية.
أصوات معارضة داخل الكونغرس
في السياق ذاته، أكدت النائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز رفضها لأي حزم تمويل إضافية موجهة لإسرائيل، معتبرة أن بعض السياسات الإسرائيلية “تتعارض مع القانون الدولي والقيم الأمريكية”، على حد وصفها.
كما أعلن السيناتور بيرني ساندرز عزمه تقديم مشروع قانون يهدف إلى وقف أو تقليص المساعدات العسكرية الأمريكية لتل أبيب، منتقدًا ما وصفه بـ”التأثير السياسي المتزايد للحكومة الإسرائيلية على القرار الأمريكي”.
في المقابل، حذر نواب آخرون، من بينهم ريتشي توريس، من أن وقف التمويل قد يؤدي إلى زيادة الخسائر البشرية، مؤكدًا أن “القبة الحديدية” تمثل نظامًا دفاعيًا بحتًا يهدف إلى إنقاذ الأرواح وليس التصعيد العسكري.
إعادة صياغة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية
يرى محللون أن النقاش الحالي لا يقتصر على الجوانب المالية، بل يعكس إعادة تقييم أوسع للتحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. فبينما يعتبر البعض أن استمرار الدعم غير المشروط لم يعد يتناسب مع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، يرى آخرون أن أي تراجع في هذا الدعم قد ينعكس سلبًا على أمن إسرائيل واستقرار المنطقة.
ويشير خبراء إلى أن تصريحات بعض المسؤولين الإسرائيليين، الذين تحدثوا في وقت سابق عن تقليل الاعتماد على التمويل الأمريكي خلال السنوات المقبلة، تُستخدم الآن كدليل لدى المعارضين لإعادة هيكلة هذا الدعم.
خلفية التصعيد الإقليمي
يأتي هذا الجدل في ظل بيئة إقليمية شديدة التوتر، حيث تتواصل المواجهات العسكرية غير المباشرة بين إسرائيل وإيران، إضافة إلى تداعيات الحرب في غزة والتوتر في لبنان.
هذه التطورات دفعت العديد من المشرعين الأمريكيين إلى إعادة تقييم حجم الانخراط العسكري والمالي لواشنطن في المنطقة، خصوصًا مع تصاعد المخاوف من توسع نطاق الصراع ليشمل أطرافًا إقليمية ودولية أخرى.
مستقبل غير محسوم
ورغم حدة الجدل، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا التحول سيترجم إلى تغييرات فعلية في سياسات التمويل الأمريكية خلال المرحلة المقبلة، أم أنه سيبقى ضمن إطار النقاش السياسي داخل الكونغرس.
لكن المؤكد، وفق مراقبين، أن ملف “القبة الحديدية” لم يعد موضوعًا تقنيًا أو عسكريًا فقط، بل أصبح جزءًا من صراع سياسي أوسع داخل الولايات المتحدة حول دورها في العالم وحدود التزاماتها الخارجية.
وبينما يستمر الجدل، يبدو أن الإجماع التاريخي حول الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل يواجه اليوم واحدة من أكبر التحديات في تاريخه الحديث، في مشهد قد يعيد رسم ملامح العلاقة بين واشنطن وتل أبيب لسنوات قادمة.










