واشنطن | 12 أبريل 2026، لم يكن فشل نائب الرئيس، “جي دي فانس”، في انتزاع التنازلات التي تسعى إليها الولايات المتحدة من إيران خلال جلسة تفاوضية ماراثونية واحدة حول برنامجها النووي بالأمر المفاجئ للمراقبين في واشنطن. ولكن السؤال الذي يتردد الآن في أروقة السلطة ومراكز الأبحاث هو: ماذا بعد؟
يضع هذا الفشل الإستراتيجي إدارة ترامب أمام خيارات عدة مريرة؛ فإما الانزلاق في مفاوضات دبلوماسية مطولة ومضنية مع طهران بشأن مستقبل برنامجها النووي، أو العودة إلى “قرع طبول الحرب” واستئناف صراع عسكري تسبب بالفعل في أكبر اضطراب لإمدادات الطاقة في العصر الحديث، مع احتمالية نشوب مواجهة طويلة الأمد للسيطرة على مضيق هرمز.
انتظار قرار “مارالاجو”
صرح مسؤولون في البيت الأبيض بأنهم سينتظرون قرار الرئيس ترامب، الذي غادر العاصمة متوجها إلى فلوريدا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع وحضور مباراة في “بطولة القتال النهائي” (UFC)، ليعلن من هناك الخطوة التالية للإدارة.
ومع ذلك، فإن المحللين يؤكدون أن كل مسار من المسارات المتاحة يحمل تبعات إستراتيجية وسياسية سلبية جسيمة قد تعصف باستقرار الأسواق العالمية.
ولم يفصح فانس إلا بالقليل عما دار خلال أكثر من 21 ساعة من المفاوضات في باكستان، ملمحا إلى أنه قدم للإيرانيين مقترحا نهائيا بصيغة “إما القبول أو الرفض” لإنهاء طموحاتهم النووية للأبد، لكن طهران واجهت هذا العرض بالرفض القاطع.
وقال فانس للصحفيين بنبرة حادة: “لقد أوضحنا خطوطنا الحمراء تماما، والأمور التي نحن على استعداد للتساهل فيها، لكنهم اختاروا عدم قبول شروطنا”.
رهان القوة مقابل الصمود
لا يبدو أن هذه المفاوضات اختلفت كثيرا عن تلك التي انتهت بطريق مسدود في جنيف أواخر فبراير الماضي، والتي دفع فشلها الرئيس ترامب حينها لإصدار أوامر بشن ما أصبح لاحقا 38 يوما من الهجمات الصاروخية والقصف المكثف في أنحاء إيران، استهدفت مخازن الصواريخ والقاعدة الصناعية العسكرية، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز”.
كان رهان ترامب قائما على قناعة بأن طهران ستغير موقفها بمجرد مواجهة استعراض ضخم للقوة العسكرية، بعد إصابة أكثر من 13 ألف هدف وفقا لبيانات البنتاغون. أما الإيرانيون، فقد صمموا من جانبهم على إظهار أن حجم الذخيرة الأمريكية لن يجبرهم على “الاستسلام”.
وقالت وزارة الخارجية الإيرانية في بيان تزامن مع مغادرة فانس: “إن الخسارة الفادحة لكبار قادتنا ومواطنينا جعلت استجابتنا لمتابعة حقوقنا أكثر حزما من أي وقت مضى”.
عقدة التاريخ ومأزق النفط
تخشى الإدارة الأمريكية الحالية من الانزلاق في حوار معقد وطويل الأمد؛ إذ يعتقد ترامب أنه خرج “منتصرا” عسكريا، وبالتالي، كما يرى المبعوث الخاص “ستيف ويتكوف”، فإنه يتعين على إيران ببساطة “الخضوع”.
لكن التاريخ لا يدعم هذا التصور؛ فآخر اتفاق كبير استغرق عامين من التنازلات المتبادلة في عهد أوباما.
تكمن معضلة فانس وفريقه (الذي ضم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف) في أن الإيرانيين عرضوا “تعليق” الأنشطة النووية، لكنهم رفضوا التخلي عن مخزون اليورانيوم أو حق التخصيب، معتبرين ذلك حقا سياديا تكفله المعاهدات الدولية. وبالنسبة لواشنطن، هذا ليس سوى “دليل” على رغبة إيران في إبقاء خيار القنبلة جاهزا خلف الأبواب المغلقة.
توقيت حرج ومضيق ملتهب
أداة الضغط الرئيسية لترامب الآن هي التهديد باستئناف القتال الكبرى مع اقتراب انتهاء الهدنة الهشة في 21 أبريل، لكن هذا الخيار ليس سهلا، فالجمهور الأمريكي والأسواق العالمية يرزحون تحت وطأة خسارة 20% من إمدادات النفط العالمية، مما رفع التضخم إلى 3.3% وتسبب في نقص حاد في الأسمدة وغاز الهيليوم الضروري لقطاع التكنولوجيا.
يظل “مضيق هرمز” هو الملف الأكثر إلحاحا؛ إذ ربطت طهران إعادة فتحه بمطالب تعجيزية تشمل تعويضات عن أضرار القصف ورفعا كاملا للعقوبات.
لقد أوضحت رحلة فانس أن كلا الجانبين يعتقد أنه “المنتصر” في الجولة الأولى، الولايات المتحدة بقوتها النارية الهائلة، وإيران بصمودها وبقائها واقفة. وفي ظل هذه الرؤى المتصادمة، يبدو أن المنطقة تتجه نحو “انفجار ثان” لا يبدو أن أحدا يملك القدرة على احتوائه.










