ضغوط داخلية غير مسبوقة على إدارة ترامب مع اقتراب اختبار التمويل
واشنطن – المنشر الإخبارى
لم تعد “حرب إيران” مجرد ملف خارجي بالنسبة للولايات المتحدة، بل تحولت إلى أزمة سياسية داخلية تضغط بقوة على الرئيس دونالد ترامب، مع تصاعد مؤشرات الانقسام داخل الحزب الجمهوري، واستعداد الكونغرس لمواجهة حاسمة حول تمويل العمليات العسكرية.
فمع عودة المشرّعين من الإجازة الربيعية، تتجه الأنظار إلى واحدة من أكثر المعارك السياسية حساسية: إقرار تمويل الحرب، وسط تقديرات تشير إلى أن التكلفة قد تتجاوز 100 مليار دولار، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأمريكي من تداعيات مباشرة، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة.
صمت الكونغرس يتحول إلى مواجهة
خلال فترة التصعيد العسكري، التزم الكونغرس إلى حد كبير موقف المتفرج، مكتفيًا ببيانات وتصريحات دون خطوات فعلية، رغم خطورة التطورات، من تهديدات ترامب إلى إعلان هدنة مؤقتة ومفاوضات لم تثمر عن اتفاق.
لكن هذا الصمت لم يكن سوى هدوء يسبق العاصفة. فالمعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، وهي معركة التمويل، حيث يمتلك الكونغرس الكلمة الفصل في تخصيص الأموال، ما يمنحه ورقة ضغط قوية في مواجهة البيت الأبيض.
200 مليار دولار… رقم يُربك الجميع
تشير تقديرات أولية إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) طلبت نحو 200 مليار دولار لتغطية تكاليف الحرب، إلا أن الإدارة الأمريكية تبدو حذرة من تقديم هذا الرقم بالكامل إلى الكونغرس.
والسبب واضح: الانقسامات داخل الحزب الجمهوري نفسه، حيث يخشى قادة الحزب من تمرد داخلي قد يعرقل تمرير أي حزمة تمويل ضخمة، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية، التي تجعل كل تصويت محسوبًا بدقة أمام الناخبين.
وفي ظل هذا الواقع، يُتوقع أن يرسل البيت الأبيض طلبًا أقل من الرقم الفعلي، في محاولة لتجنب إحراج سياسي أو هزيمة تشريعية قد تكون مكلفة.
جمهوريون يضعون “خطًا أحمر” أمام ترامب
المؤشر الأخطر بالنسبة للإدارة لا يأتي من الديمقراطيين، بل من داخل الحزب الجمهوري نفسه.
فعدد من النواب والشيوخ الجمهوريين بدأوا يعلنون صراحة رفضهم تمديد العمليات العسكرية أو توسيعها دون موافقة الكونغرس، واضعين سقفًا زمنيًا واضحًا لدعمهم.
السيناتورة سوزان كولينز كانت من أبرز الأصوات، حيث أكدت أنها لن تدعم استمرار الحرب بعد مهلة الستين يومًا دون تصويت رسمي، كما رفضت إرسال قوات برية دون موافقة تشريعية.
وينضم إليها عدد من الجمهوريين، بينهم جون كورتيس، توم تيليس، وتود يونغ، الذين شددوا على ضرورة استعادة الكونغرس لدوره الرقابي، ما يعكس تحوّلًا مهمًا في موقف الحزب.
“60 يومًا فقط”.. مهلة تهدد استراتيجية ترامب
وفق القانون الأمريكي، يملك الرئيس صلاحية شن عمليات عسكرية لمدة 60 يومًا دون موافقة الكونغرس، وهو ما يمنح ترامب هامش حركة محدود زمنيًا.
لكن مع اقتراب نهاية هذه المهلة، يصبح الدعم السياسي مشروطًا، ما يضع الإدارة أمام خيارين: إقناع الكونغرس بتمديد العمليات، أو تقليص نطاق الحرب.
وهنا تكمن الأزمة، إذ يدرك البيت الأبيض أن أي انشقاق جمهوري قد يكلّفه الأغلبية الضئيلة التي يتمتع بها في المجلسين.
الديمقراطيون يستغلون اللحظة
في المقابل، وجد الديمقراطيون في هذه الأزمة فرصة سياسية ثمينة، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية.
فإلى جانب انتقادهم المستمر لسياسات ترامب، يسعى قادة الحزب إلى إعادة طرح مشروع تقييد صلاحيات الرئيس في شن الحروب، مستفيدين من الانقسام الجمهوري.
ويقود هذه التحركات زعيما الأقلية تشاك شومر وحكيم جيفريز، اللذان يعتزمان إعادة طرح التشريع خلال الأيام المقبلة، في محاولة لإحراج الجمهوريين ودفع بعضهم إلى الانشقاق.
الحرب تتحول إلى عبء اقتصادي انتخابي
لم يعد الجدل حول الحرب سياسيًا فقط، بل أصبح اقتصاديًا بامتياز، مع ارتفاع أسعار الوقود وتزايد الضغوط على المواطنين الأمريكيين.
الديمقراطيون يركزون على هذه النقطة تحديدًا، معتبرين أن مليارات الدولارات تُنفق على العمليات العسكرية، بينما يعاني المواطن من أعباء معيشية متزايدة.
هذا الخطاب قد يجد صدى واسعًا لدى الناخبين، ما يزيد من حساسية موقف الجمهوريين، خاصة أولئك الذين يخوضون سباقات انتخابية صعبة.
غموض استراتيجي يثير القلق
واحدة من أكبر المشكلات التي تواجه الكونغرس هي غياب الوضوح من جانب الإدارة الأمريكية.
فحتى الآن، لم تقدم الحكومة تصورًا دقيقًا لتكلفة الحرب أو استراتيجيتها طويلة المدى، كما لم تُعقد جلسات استماع علنية كافية لمناقشة هذه القضايا.
هذا الغموض يزيد من حدة التوتر داخل الكونغرس، ويدفع المزيد من المشرعين إلى التشكيك في جدوى الاستمرار في العمليات العسكرية دون رؤية واضحة.
هل تنجح “الكمّاشة” أم تنفجر داخليًا؟
بين ضغط خارجي على إيران، وضغط داخلي داخل واشنطن، يجد ترامب نفسه أمام معادلة معقدة.
فنجاح استراتيجيته يعتمد ليس فقط على التطورات الميدانية، بل على قدرته في الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، وهو أمر يبدو أكثر صعوبة مع تصاعد الانقسامات داخل حزبه.
ومع اقتراب لحظة الحسم في الكونغرس، تبدو “حرب إيران” مرشحة للتحول من مواجهة خارجية إلى أزمة سياسية داخلية قد تعيد رسم موازين القوى في واشنطن.










