ضغوط دولية تعيد خلط الأوراق داخل الإطار التنسيقي
بغداد – المنشر الإخبارى
تدخل العملية السياسية في العراق مرحلة شديدة الحساسية، توصف داخل دوائر القرار بـ”ساعة الصفر”، مع تراجع واضح في فرص عودة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة، في ظل ضغوط دولية متصاعدة ورفض أمريكي غير معلن ينعكس بقوة على مسار تشكيل الحكومة المقبلة.
فبعد أن كان المالكي على بعد خطوات من العودة إلى المشهد التنفيذي عبر ولاية ثالثة، جاءت التطورات الإقليمية الأخيرة لتقلب المعادلة بالكامل، وتفرض على القوى السياسية إعادة تقييم حساباتها، وسط مخاوف من الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.
“فيتو” أمريكي غير معلن يربك الحسابات
رسائل ضغط بدل الإعلان المباشر
بحسب مصادر سياسية في بغداد، لم يصدر “فيتو” أمريكي رسمي، لكن الرسائل السياسية كانت واضحة ومباشرة، إذ حذرت واشنطن من تداعيات سياسية واقتصادية في حال تولي المالكي رئاسة الحكومة مجددًا.
هذه الرسائل، التي وصلت عبر قنوات دبلوماسية متعددة، وضعت “الإطار التنسيقي” أمام اختبار صعب: إما المضي في ترشيح المالكي وتحمل المخاطر، أو إعادة فتح ملف الترشيحات بالكامل بحثًا عن بديل أقل تصعيدًا.
الإطار التنسيقي أمام مراجعة شاملة
من الحسم إلى إعادة الحسابات
في البداية، كان الإطار التنسيقي قد اتجه لحسم اسم المالكي كمرشح شبه نهائي، اعتمادًا على ثقله السياسي وخبرته الطويلة في إدارة الدولة.
لكن مع تصاعد الضغوط الدولية وتغير موازين القوى الإقليمية، بدأت بعض أطراف الإطار تدفع باتجاه “المرونة السياسية”، معتبرة أن المرحلة الحالية لا تحتمل قرارات صدامية قد تكلف العراق عزلة أو عقوبات.
ما بعد الحرب… عراق في قلب التوازنات الإقليمية
تداعيات إقليمية تلقي بظلالها على بغداد
تأتي هذه التطورات في سياق إقليمي معقد، بعد الحرب التي أعادت رسم خرائط النفوذ في المنطقة، وجعلت العراق أحد أهم ساحات التأثر المباشر بتوازنات القوى بين الولايات المتحدة وإيران.
هذا الوضع جعل أي قرار يتعلق بتشكيل الحكومة العراقية مرتبطًا بشكل وثيق بالحسابات الخارجية، وليس فقط بالتفاهمات الداخلية بين الكتل السياسية.
المهلة الدستورية تضغط على الجميع
15 يومًا لتشكيل حكومة جديدة
مع انتخاب رئيس الجمهورية نزار آميدي، بدأت المهلة الدستورية لتكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، والتي لا تتجاوز 15 يومًا.
هذه المهلة القصيرة وضعت القوى السياسية أمام ضغط زمني كبير، حيث يتوجب التوصل إلى اتفاق سريع لتجنب فراغ سياسي قد ينعكس سلبًا على الاستقرار الداخلي.
اسم السوداني يعود بقوة إلى الطاولة
خيار توافقي يفرض نفسه
في ظل تعقيد المشهد، عاد اسم محمد شياع السوداني ليبرز كأحد أبرز البدائل المطروحة، باعتباره شخصية أكثر قبولًا لدى مختلف الأطراف الداخلية والخارجية.
ويُنظر إلى السوداني كخيار “براغماتي”، قادر على إدارة التوازن بين النفوذ الإقليمي والضغوط الدولية، مع الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد.
المالكي… تمسك سياسي في مواجهة واقع متغير
محاولات لاحتواء الضغوط دون تراجع كامل
رغم تراجع فرصه، لا يزال نوري المالكي متمسكًا بخيار العودة إلى رئاسة الحكومة، محاولًا تقديم ضمانات سياسية لطمأنة الأطراف الدولية، وإقناع حلفائه داخل الإطار بقدرته على إدارة المرحلة دون صدام.
لكن الواقع السياسي يشير إلى أن هامش المناورة لديه يتقلص تدريجيًا، مع تصاعد الدعوات الداخلية لاختيار مرشح أقل إثارة للجدل.
صراع النفوذ: الداخل مقابل الخارج
سؤال السيادة والقرار السياسي
تفتح الأزمة الحالية نقاشًا أوسع حول مدى استقلال القرار السياسي في العراق، وحدود تأثير القوى الدولية في تشكيل الحكومات.
فبينما يرى البعض أن الضغوط الخارجية تمثل عامل استقرار يمنع الانزلاق إلى أزمات، يعتبرها آخرون تدخلًا مباشرًا في السيادة الوطنية وإعادة إنتاج لنفوذ خارجي داخل القرار العراقي.
بغداد أمام لحظة حاسمة
خيارات محدودة ووقت ينفد
مع اقتراب انتهاء المهلة الدستورية، يجد العراق نفسه أمام خيارات محدودة: إما التوصل إلى تسوية سريعة تضمن تشكيل حكومة توافقيّة، أو الدخول في أزمة سياسية جديدة قد تعيد البلاد إلى حالة من الجمود.
وفي كل الأحوال، تبدو بغداد أمام لحظة مفصلية ستحدد شكل المرحلة المقبلة، ليس فقط على مستوى الحكومة، بل على مستوى توازنات السلطة في العراق ككل.
ما يحدث اليوم لا يتعلق بشخص واحد أو منصب واحد، بل بإعادة صياغة كاملة لمعادلة الحكم في العراق. وبين فيتو خارجي غير معلن، وصراع داخلي محتدم، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح بغداد في إنتاج تسوية مستقرة، أم تدخل في فصل جديد من الأزمات السياسية؟










