خيم الحزن على الأوساط الثورية والبحثية في السودان، اليوم الأربعاء 15 أبريل 2026، إثر إعلان وفاة المناضلة والباحثة السودانية البارزة مزن أبوعبيدة النيل، التي رحلت بعد صراع مع المرض في دولة الإمارات، مخلفة وراءها إرثا نضاليا ومعرفيا سيظل محفورا في ذاكرة ثورة ديسمبر والقوى التقنية والتقدمية.
رحلة علمية ومسيرة نضالية
لم تكن مزن النيل مجرد ناشطة سياسية، بل كانت نموذجا للمثقف المشتبك الذي يزاوج بين العلم والعمل الميداني. حصلت مزن على بكالوريوس في الهندسة الميكانيكية وماجستير في الإدارة الفنية، لكن اهتماماتها توسعت لتشمل علم الاقتصاد الاجتماعي والسياسات العامة.
وبخبرة مهنية تجاوزت عشر سنوات في إدارة المشاريع الصناعية، سخرت مزن النيل أدواتها الهندسية لفهم هيكلية الاقتصاد السياسي السوداني، مؤمنة بأن التنمية لا تتحقق إلا بتمكين الشعوب علميا وتكنولوجيا.
أسست مزن النيل وشاركت في إدارة مركز “استناد” (ISTinaD) لأبحاث الابتكار، وهو المركز الذي ركز على العلوم والتكنولوجيا من أجل التنمية الشعبية، حيث كانت ترى في سياسات الصناعة المستدامة مخرجا من أزمات السودان الهيكلية.
صوت الثورة والعقل النقدي
برزت مزن النيل كواحد من أشجع الأصوات في ثورة ديسمبر 2018، حيث انحازت بلا هوادة لقضايا الحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق المرأة. لم تكتف بالشعارات، بل قدمت تحليلات نقدية عميقة للديناميات السياسية، محذرة من “الثورة المضادة” وتغول النخب المسلحة.
ومع اندلاع حرب أبريل 2023، واصلت مزن النيل كتاباتها التي دعت فيها إلى مقاومة شعبية منظمة، مؤكدة على الترابط العضوي بين نضال الشعب السوداني والقضايا العالمية العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
نشرت مزن النيل أوراقا بحثية ومقالات رصينة في منصات كبرى مثل “المفكرة القانونية” و”الاشتراكيين الثوريين” و”معهد Transnational Institute”، حيث تميزت كتاباتها بصدق الانحياز للمهمشين والقدرة على تفكيك خطاب القوة.
وداع يليق برفيقة صلبة
نعى مزن النيل عدد واسع من الناشطين والحركات النسوية، من بينها مبادرة “لا لقهر النساء”، واصفين إياها بـ “العقل النقدي اللامع” و”الرفيقة الصلبة” التي لم تهادن في معارك الكرامة. وأكد رفاقها أن رحيلها يمثل خسارة فادحة للحركة التقدمية السودانية، لكن أفكارها حول الاقتصاد السياسي ومقاومة الاستبداد ستبقى بوصلة للأجيال القادمة.










