طهران تتهم واشنطن وتل أبيب بارتكاب “جرائم حرب” وتدعو المجتمع الدولي لتوثيق الانتهاكات وتعزيز آليات الردع
طهران – المنشر الإخبارى
دان المندوب الإيراني لدى لجنة الأمم المتحدة للسكان والتنمية، الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، معتبرًا أنها تمثل نموذجًا صارخًا لما وصفه بـ”إساءة استخدام التكنولوجيا المتقدمة ضد الإنسانية”، وتحويلها من أدوات للتنمية والتقدم إلى وسائل للقتل والتدمير.
وجاءت تصريحات الدبلوماسي الإيراني خلال كلمته أمام الدورة التاسعة والخمسين للجنة، التي عقدت في مقر الأمم المتحدة، الأربعاء، حيث ركز على الجوانب القانونية والإنسانية للصراع الأخير، معتبرًا أن ما حدث يشكل خرقًا واضحًا وصريحًا لميثاق الأمم المتحدة، الذي يحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد الدول الأعضاء.
وقال المندوب إن الهجمات العسكرية المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران لا يمكن وصفها إلا بأنها “عدوان غير قانوني”، مشددًا على أنها ترقى إلى مستوى “جرائم حرب” وفق القانون الدولي الإنساني، نظرًا لاستهدافها مواقع مدنية وعسكرية على حد سواء.
اتهامات بانتهاك القانون الدولي
وأوضح المندوب الإيراني أن ميثاق الأمم المتحدة ينص بشكل واضح على احترام سيادة الدول وعدم اللجوء إلى القوة العسكرية إلا في حالات محددة وبإشراف دولي، إلا أن ما حدث—بحسب وصفه—يمثل تجاوزًا خطيرًا لهذه المبادئ الأساسية.
وأضاف أن استخدام القوة العسكرية في هذا السياق لم يكن مجرد عملية عسكرية تقليدية، بل اعتمد على تقنيات متقدمة في الاستهداف والمراقبة، وهو ما يفتح—بحسب قوله—بابًا واسعًا للنقاش حول أخلاقيات استخدام التكنولوجيا الحديثة في الحروب.
وأشار إلى أن “تحويل التكنولوجيا المتقدمة إلى أدوات للقتل والتدمير الجماعي” يمثل تهديدًا مباشرًا للبشرية، وليس فقط للدول المستهدفة، داعيًا إلى إعادة النظر في الضوابط الدولية المنظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة العسكرية الحديثة.
بداية الحرب ومسار التصعيد
ووفق الرواية الإيرانية التي عرضها المندوب، فقد بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، عبر سلسلة من الغارات الجوية التي استهدفت مواقع داخل الأراضي الإيرانية، وأسفرت عن مقتل عدد من كبار القادة العسكريين والمسؤولين، إلى جانب خسائر في البنية التحتية.
وأضاف أن هذه الضربات شكلت بداية مرحلة تصعيد غير مسبوقة في المنطقة، حيث توسعت العمليات لتشمل أهدافًا متعددة داخل إيران وخارجها، في إطار ما وصفه بـ”حملة عسكرية منظمة”.
وردًا على ذلك، قال المندوب إن القوات المسلحة الإيرانية نفذت ما يقرب من 100 موجة من الضربات الانتقامية، استهدفت مواقع حساسة واستراتيجية أمريكية وإسرائيلية في مناطق مختلفة من غرب آسيا والخليج.
وأوضح أن هذه العمليات جاءت في إطار “الدفاع المشروع عن النفس”، وفق ما ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة، ردًا على ما اعتبره عدوانًا مباشرًا وغير مبرر.
وقف إطلاق النار ومحادثات إسلام آباد
وأشار الدبلوماسي الإيراني إلى أنه بعد 40 يومًا من التصعيد العسكري المتبادل، تم التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار في 8 أبريل، بعد قبول الولايات المتحدة لمقترح إيراني مكون من عشر نقاط، اعتُبر أساسًا للتهدئة.
وبحسب الطرح الإيراني، فقد شكل هذا الاتفاق خطوة أولية نحو خفض التصعيد وفتح مسار دبلوماسي، إلا أن المفاوضات التي جرت لاحقًا بين الجانبين في العاصمة الباكستانية إسلام آباد يوم 12 أبريل لم تحقق أي تقدم ملموس.
وأوضح أن المحادثات انتهت دون اتفاق بسبب ما وصفه بـ”المطالب الأمريكية المبالغ فيها” و”تغير المواقف والشروط بشكل مستمر”، الأمر الذي حال دون الوصول إلى تفاهم نهائي.
ورغم ذلك، أكد أن قنوات التواصل غير المباشر لا تزال مفتوحة بين الطرفين، عبر وسطاء إقليميين، في محاولة لاستئناف الجولة الثانية من المفاوضات قبل انتهاء الهدنة المؤقتة المقررة في 22 أبريل.
دعوة لتوثيق الانتهاكات الدولية
وفي سياق كلمته أمام الأمم المتحدة، دعا المندوب الإيراني الدول الأعضاء في اللجنة إلى ضرورة توثيق ما وصفه بـ”انتهاكات خطيرة” ناتجة عن إساءة استخدام التكنولوجيا في النزاعات المسلحة.
وشدد على أهمية إنشاء آليات دولية فعالة لرصد وتوثيق استخدام التكنولوجيا العسكرية ضد المدنيين، بما يشمل الهجمات التي تستهدف البنية التحتية الحيوية مثل المدارس والمستشفيات والمرافق العامة.
كما دعا إلى تعزيز التعاون الدولي من أجل وضع قواعد أخلاقية واضحة لاستخدام التكنولوجيا المتقدمة، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي وأنظمة التوجيه العسكري، بما يضمن عدم تحولها إلى أدوات قتل جماعي خارج نطاق السيطرة.
اتهامات متكررة لإسرائيل
وتطرق المندوب الإيراني في كلمته إلى ما وصفه بـ”الجرائم المستمرة التي ترتكبها إسرائيل في مناطق مختلفة من العالم خلال السنوات الأخيرة”، معتبرًا أن هذه السياسات تمثل تهديدًا دائمًا للأمن والسلم الدوليين.
وقال إن إسرائيل “تتصرف كدولة خارجة عن القانون الدولي”، متهمًا إياها بانتهاك متكرر للمعايير الإنسانية، وممارسة سياسات تؤدي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي.
وأضاف أن استمرار هذه السياسات دون محاسبة دولية يعكس ازدواجية واضحة في المعايير داخل النظام الدولي، داعيًا الأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه مثل هذه الانتهاكات.
البعد الإنساني والتكنولوجي للصراع
وأكد الدبلوماسي الإيراني أن أخطر ما في الصراعات الحديثة لم يعد فقط استخدام القوة العسكرية التقليدية، بل دخول التكنولوجيا المتقدمة كعامل حاسم في الحروب، بما في ذلك أنظمة الاستهداف الذكية والطائرات المسيّرة.
وحذر من أن غياب الضوابط الأخلاقية والقانونية على هذه التكنولوجيا قد يؤدي إلى “تحويل النزاعات إلى ساحات قتل غير منضبطة”، لا تفرق بين الأهداف العسكرية والمدنية.
وشدد على ضرورة أن تتحمل الدول الكبرى مسؤولياتها في ضبط استخدام هذه التقنيات، بدلًا من استخدامها في تعزيز الصراعات والنفوذ العسكري.
خلاصة الموقف الإيراني
واختتم المندوب الإيراني كلمته بالتأكيد على أن بلاده ستواصل الدفاع عن سيادتها وفق القوانين الدولية، وستعمل في الوقت نفسه على دفع المجتمع الدولي نحو وضع قواعد أكثر صرامة لتنظيم استخدام التكنولوجيا في الحروب.
كما شدد على أن إيران ترى في السلام والاستقرار الإقليمي هدفًا أساسيًا، لكنها في الوقت نفسه “لن تتهاون في مواجهة أي عدوان يستهدف أراضيها أو شعبها”.










