منظمة معاهدة الأمن الجماعي: مؤشرات خطيرة لإعادة تسليح واسعة في أوروبا الشرقية تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي
لندن – المنشر الإخبارى
حذرت منظمة معاهدة الأمن الجماعي من ما وصفته بـ“تحول خطير” في السياسات الأمنية الأوروبية، يتمثل في اتجاه متسارع نحو العسكرة وإعادة بناء القدرات العسكرية، بالتوازي مع تراجع منظومة الاتفاقيات الأمنية التي شكلت لسنوات طويلة إطارًا لضبط التوازن بين الشرق والغرب.
وجاءت هذه التحذيرات في سياق تصريحات رسمية أدلى بها الأمين العام للمنظمة تالاتبيك ماسديكوف خلال اجتماع مجلس الجمعية البرلمانية في موسكو، حيث أشار إلى أن المشهد الأمني في أوروبا الشرقية يشهد “تغيرات جوهرية” قد تعيد تشكيل طبيعة العلاقات الدولية في القارة.
موسكو: انهيار منظومة الأمن القديمة
أكد ماسديكوف أن أوروبا تمر بمرحلة “تفكك تدريجي لمنظومة الأمن التقليدية” التي تأسست بعد نهاية الحرب الباردة، موضحًا أن العديد من الاتفاقيات التي كانت تُعد أساسًا للاستقرار الإقليمي لم تعد فاعلة أو تم تجاوزها عمليًا.
وأشار إلى أن هذا التراجع في الأطر القانونية والأمنية أدى إلى فراغ استراتيجي واضح، سمح بتصاعد التوترات بين الأطراف المختلفة، وفتح المجال أمام سباق تسلح جديد في القارة الأوروبية.
وأضاف أن بعض الدول الأوروبية باتت تتبنى سياسات دفاعية أكثر تشددًا، تتضمن زيادة الإنفاق العسكري وتوسيع القدرات الهجومية والدفاعية، وهو ما وصفه بأنه “تحول في العقيدة الأمنية من الردع إلى الاستعداد للصراع”.
تحذيرات من تصاعد التوتر على حدود الناتو
وفي سياق متصل، حذرت المنظمة من أن التطورات العسكرية في أوروبا الشرقية باتت تقترب بشكل مباشر من مناطق التماس مع حلف شمال الأطلسي، ما يرفع من احتمالات الاحتكاك العسكري أو التصعيد غير المباشر بين الجانبين.
وأكد ماسديكوف أن “اقتراب بؤر التوتر من الحدود المباشرة لدول المنظمة يمثل تحديًا أمنيًا متصاعدًا”، مشيرًا إلى أن البيئة الحالية لا تسمح بالاعتماد على آليات الضبط التقليدية التي كانت تعمل في السابق على احتواء الأزمات.
وأضاف أن غياب الثقة بين الأطراف الدولية وتراجع قنوات الحوار الفعّال يضاعف من خطورة الوضع، ويجعل أي أزمة محلية قابلة للتحول إلى مواجهة أوسع نطاقًا.
عسكرة متزايدة في السياسات الأوروبية
أوضح الأمين العام أن هناك مؤشرات واضحة على توجه بعض الحكومات الأوروبية نحو “إعادة بناء القدرات العسكرية على نطاق واسع”، بما في ذلك تحديث الجيوش وتطوير الصناعات الدفاعية ورفع مستويات الجاهزية القتالية.
وأشار إلى أن هذه السياسات تُبرر غالبًا باعتبارات دفاعية، إلا أن تراكمها في بيئة دولية متوترة قد يؤدي إلى نتائج غير مقصودة، من بينها زيادة سباقات التسلح ورفع احتمالات سوء التقدير العسكري.
وأكد أن هذا الاتجاه يعكس تحولًا أعمق في التفكير الاستراتيجي الأوروبي، يقوم على فرضية أن الأمن لا يمكن تحقيقه إلا عبر القوة العسكرية، وليس عبر التفاهمات السياسية.
انهيار الاتفاقيات الأمنية الدولية
لفت ماسديكوف إلى أن النظام الأمني الدولي الذي تأسس خلال العقود الماضية كان يعتمد على مجموعة من الاتفاقيات التي نظمت انتشار القوات والتوازن العسكري، إلا أن هذا النظام “تآكل بشكل كبير” في السنوات الأخيرة.
وأوضح أن غياب الالتزام بهذه الاتفاقيات أو إعادة تفسيرها بشكل أحادي ساهم في إضعاف البنية الأمنية الدولية، وخلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي.
وأضاف أن هذا الفراغ ساعد على توسع التنافس العسكري بين القوى الكبرى، ما انعكس بشكل مباشر على استقرار أوروبا الشرقية ومحيطها الجغرافي.
منظمة الأمن الجماعي: قلق متزايد من المستقبل
تضم منظمة معاهدة الأمن الجماعي روسيا وبيلاروس وأرمينيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان، وتعتبر أحد أبرز التكتلات الأمنية في الفضاء الأوراسي، حيث تهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي المشترك بين الدول الأعضاء.
وأكدت المنظمة أن التغيرات الجارية في أوروبا لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل تمتد إلى البنية السياسية والأمنية للعلاقات الدولية، ما يستدعي إعادة تقييم شاملة لمفهوم الأمن الإقليمي.
وشددت على أن استمرار هذا المسار دون ضوابط سياسية واضحة قد يؤدي إلى زيادة احتمالات المواجهة، سواء بشكل مباشر أو عبر صراعات بالوكالة.
دعوات للتهدئة وإحياء الحوار الأمني
دعت المنظمة في ختام تصريحاتها إلى ضرورة العودة إلى مسار الحوار السياسي والأمني بين مختلف الأطراف الدولية، معتبرة أن غياب التواصل الفعّال هو أحد أهم عوامل التصعيد الحالي.
وأكدت أن الحلول العسكرية لا يمكن أن تحقق استقرارًا طويل الأمد، وأن الأمن الحقيقي لا يتحقق إلا عبر التفاهمات المشتركة والالتزام بالقانون الدولي.
كما شددت على أهمية إعادة بناء الثقة بين الدول، وفتح قنوات تفاوض جديدة من شأنها تخفيف التوترات المتصاعدة في القارة الأوروبية.
تعكس التحذيرات الصادرة من موسكو عبر منظمة معاهدة الأمن الجماعي حالة القلق المتزايد من مسار التطورات الأمنية في أوروبا الشرقية، في ظل تصاعد واضح في الإنفاق العسكري وتراجع الأطر الدبلوماسية التقليدية، ما يجعل المنطقة أمام مرحلة حساسة قد تحدد شكل الأمن الدولي خلال السنوات المقبلة.










