تقرير أممي يكشف توسع شبكات تهريب منظمة تعتمد على نفوذ سياسي واقتصادي، وسط تراجع رقابة الدولة على قطاع النفط وتزايد الانتهاكات المرتبطة بحظر السلاح
طرابلس- المنشر الإخبارى
كشف تقرير حديث صادر عن فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي حول ليبيا عن شبكة واسعة ومعقدة من عمليات تهريب النفط والسلاح داخل البلاد، مشيرًا إلى تورط شخصيات سياسية واقتصادية نافذة في هذه الأنشطة، في ظل ما وصفه التقرير بـ”تآكل الرقابة المؤسسية” على قطاع النفط الليبي.
وأوضح التقرير أن عمليات تهريب النفط الخام والمنتجات المكررة وصلت إلى مستويات غير مسبوقة خلال الفترة الأخيرة، حيث تحولت بعض الموانئ والمنافذ النفطية إلى نقاط عبور غير رسمية يتم من خلالها تصدير النفط خارج الأطر القانونية، بما يدر عوائد مالية ضخمة على شبكات منظمة داخل البلاد وخارجها.
تهريب النفط.. اقتصاد موازٍ خارج الدولة
بحسب التقرير، فإن قطاع النفط الليبي، الذي يُفترض أنه العمود الفقري للاقتصاد الوطني، بات يعاني من انقسام حاد في السيطرة، حيث لم تعد المؤسسة الوطنية للنفط قادرة على فرض رقابة كاملة على عمليات الإنتاج والتصدير.
وأشار التقرير إلى أن هذا الواقع أدى إلى نشوء “اقتصاد موازٍ” يعتمد على التهريب، يتم من خلاله تصدير النفط الخام والمنتجات المكررة بطرق غير رسمية، ما تسبب في خسائر مالية كبيرة للدولة الليبية.
كما رُصدت عمليات تصدير غير مشروعة عبر موانئ في شرق البلاد، خاصة في محيط بنغازي، حيث تُستخدم شبكات وسيطة لتسهيل حركة الشحنات بعيدًا عن الرقابة الدولية.
تورط شخصيات نافذة
التقرير أشار إلى أن هذه الشبكات لا تعمل بمعزل عن السلطة، بل تحظى بغطاء سياسي من شخصيات بارزة في المشهد الليبي.
ومن بين الأسماء التي وردت في التقرير:
- شخصيات مرتبطة بحكومة الوحدة الوطنية
- أطراف محسوبة على القيادة العامة
- شخصيات اقتصادية تتحكم في سلاسل التوريد والتصدير
ووفقًا للتقرير، فإن هذا التداخل بين النفوذ السياسي والاقتصادي ساهم في إضعاف مؤسسات الدولة، وتحويل قطاع النفط إلى أداة نفوذ وتمويل داخل الصراع الليبي.
شبكات دولية وإجرامية منظمة
أشار فريق الخبراء إلى ظهور شبكات إجرامية ذات امتداد دولي، تتحكم في حركة النفط والسلاح، وتعمل عبر واجهات تجارية وشركات وسيطة لتجنب الرقابة الدولية.
ومن بين هذه الشبكات، برز اسم معين شرف الدين كأحد القادة البارزين في هذه المنظومة، حيث يُتهم بإدارة عمليات نقل النفط وتسهيل حركة السفن دون الالتزام بالإجراءات القانونية أو الرقابية.
كما أشار التقرير إلى استخدام شركات واجهة، مثل شركة “أركنو”، في عمليات مالية معقدة تجاوزت قيمتها 3 مليارات دولار خلال فترة زمنية محددة، ما يعكس حجم الاقتصاد الموازي الذي نشأ خارج الإطار الرسمي.
تهريب السلاح وانتهاك الحظر الدولي
لم يقتصر التقرير على ملف النفط فقط، بل تناول أيضًا استمرار خرق حظر السلاح المفروض على ليبيا، حيث أشار إلى أن بعض الأطراف داخل البلاد تعتمد على شبكات تهريب لتأمين الأسلحة والذخائر.
وذكر التقرير أن كلًا من الحكومة في طرابلس والقيادة العامة في الشرق، اعتمدتا بدرجات مختلفة على هذه الشبكات لتأمين احتياجات عسكرية، في انتهاك مباشر لقرارات مجلس الأمن الدولي.
كما أشار إلى تورط شخصيات مرتبطة بعمليات لوجستية وشحن دولي في تسهيل نقل الأسلحة عبر البحر والبر، باستخدام وثائق مزورة ومسارات غير مباشرة.
دور الشركات والواجهات التجارية
سلط التقرير الضوء على الدور الذي تلعبه بعض الشركات التجارية في هذه المنظومة، حيث يتم استخدامها كواجهات قانونية لتمرير عمليات مالية ونفطية مشبوهة.
ومن بين الأمثلة التي وردت في التقرير، شركة “أركنو” التي يُشتبه في استخدامها كأداة لتحويل أموال ضخمة خارج الأطر الرسمية، عبر شبكات مصرفية معقدة.
كما أشار التقرير إلى أن بعض هذه الشركات تعمل بالتنسيق مع أطراف نافذة داخل المؤسسات الرسمية، ما يجعل من الصعب الفصل بين النشاط القانوني وغير القانوني.
اتهامات بخرق العقوبات الدولية
تضمن التقرير اتهامات مباشرة لبعض الأفراد، من بينهم أحمد العشيبي، الذي يُشتبه في تحايله على حظر الأسلحة باستخدام شبكة شحن خاصة، إضافة إلى امتلاكه جنسية مزدوجة وإقامة خارج ليبيا، ما ساعده على التحرك بحرية في عمليات النقل.
كما أشار إلى تورط شخصيات أخرى في إبرام عقود نفطية خارج الأطر القانونية، مستفيدة من نفوذ سياسي داخل المؤسسات النفطية.
تراجع دور المؤسسة الوطنية للنفط
أحد أبرز النقاط التي ركز عليها التقرير هو تراجع دور المؤسسة الوطنية للنفط، التي كانت تُعد سابقًا الجهة الوحيدة المسؤولة عن إدارة القطاع.
لكن وفقًا للتقرير، فإن المؤسسة فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على الرقابة، نتيجة تدخلات سياسية وضغوط من أطراف مسلحة واقتصادية، ما جعلها في بعض الحالات عاجزة عن فرض قراراتها.
توصيات مجلس الأمن
في ختام التقرير، قدّم فريق الخبراء مجموعة من التوصيات، أبرزها:
- تعليق التعاقد مع الشركات المشبوهة، وعلى رأسها “أركنو”
- إعادة تفعيل الرقابة على المؤسسة الوطنية للنفط
- تعزيز الشفافية في عمليات التصدير
- تشديد إجراءات تفتيش السفن والطائرات
- إدراج الأفراد والكيانات المتورطة في قوائم العقوبات الدولية
وأكد التقرير أن تنفيذ هذه الإجراءات يمثل خطوة ضرورية للحد من النزيف الاقتصادي، واستعادة الحد الأدنى من السيطرة المؤسسية داخل البلاد.
يُظهر هذا التقرير الأممي أن الأزمة في ليبيا لم تعد مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل تحولت إلى شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية غير المشروعة، تتداخل فيها السلطة مع المال والسلاح.
وفي ظل استمرار هذا الواقع، تبقى الدولة الليبية أمام تحدٍ كبير يتمثل في استعادة السيطرة على مواردها الحيوية، وإعادة بناء مؤسسات قادرة على فرض القانون، في مواجهة اقتصاد موازٍ بات يهدد استقرار البلاد على المدى الطويل.










