جدل داخلي يتصاعد مع أنباء زيارة محتملة للرئيس الأميركي بالتزامن مع تعثر المفاوضات مع إيران
إسلام آباد – المنشر الإخباري
تتزايد حدة الجدل داخل باكستان على خلفية تقارير تتحدث عن احتمال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العاصمة إسلام آباد، في حال حدوث تقدم في المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، وهي الخطوة التي قوبلت برفض وتحذير من شخصيات دينية بارزة.
وفي هذا السياق، خرج رجل الدين الشيعي المعروف سيد جواد نقوي بتصريحات قوية، وهو أحد أبرز رجال الدين الشيعة فى البلاد ورئيس جامعة عروة الوثقى فى لاهور حيث دعا فيها الحكومة الباكستانية إلى عدم تسهيل هذه الزيارة، محذرًا من تداعياتها السياسية، واعتبرها ” لا تمثل شرفاً لباكستان ومؤكدًا أن استقبال ترامب في هذا التوقيت “لا يخدم مصالح البلاد ولا يعكس موقفًا متوازنًا في أزمة إقليمية معقدة” ، واصفاً إياه بعبارات قاسية من بينها ” شخص مخادع ومثير للجدل ” فى إشارة إلى سياساته الأخيرة .
تصريحات نقوي لم تأتِ من فراغ، بل تعكس حالة من القلق داخل بعض الأوساط السياسية والدينية في باكستان، من أن تتحول البلاد إلى ساحة توظيف سياسي في صراع دولي محتدم، خاصة مع تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران خلال الأشهر الأخيرة.
زيارة محتملة في توقيت حساس
الحديث عن زيارة ترامب يرتبط بشكل مباشر بالمفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تلعب فيها باكستان دور الوسيط. وتشير التقديرات إلى أن أي تقدم في هذه المحادثات قد يدفع الإدارة الأميركية إلى خطوات سياسية رمزية، من بينها زيارة محتملة إلى إسلام آباد لتأكيد مسار التهدئة أو التفاهم.
لكن هذه الفرضية تصطدم بواقع معقد، حيث لا تزال المفاوضات تواجه عقبات كبيرة، نتيجة تباين المواقف بين الطرفين، خاصة في ما يتعلق بالقضايا الأمنية والنووية، بالإضافة إلى استمرار التوترات الميدانية التي تُلقي بظلالها على أي جهود دبلوماسية.
في هذا الإطار، يرى مراقبون أن توقيت الزيارة – إذا تمت – سيكون بالغ الحساسية، وقد يفسَّر بطرق مختلفة، سواء كدعم لدور باكستان كوسيط، أو كإشارة إلى انحياز سياسي، وهو ما تخشاه بعض الأطراف داخل البلاد.
تحذير من الانحياز السياسي
نقوي شدد في تصريحاته على ضرورة أن تحافظ باكستان على توازنها في العلاقات الدولية، معتبرًا أن استقبال ترامب قد يُفسَّر على أنه اصطفاف سياسي إلى جانب الولايات المتحدة، وهو ما قد يؤثر سلبًا على علاقات إسلام آباد مع أطراف أخرى، وعلى رأسها إيران.
وأضاف أن بلاده تمتلك فرصة حقيقية للعب دور إيجابي في تخفيف التوترات، لكن هذا الدور يتطلب “حيادًا حقيقيًا”، وليس مجرد وساطة شكلية قد تُستخدم لخدمة مصالح طرف دون آخر.
كما حذر من أن أي خطوة غير محسوبة قد تضعف مصداقية باكستان كوسيط، وتفقدها القدرة على التأثير في مسار الأحداث، خاصة في ظل المنافسة الإقليمية على لعب أدوار دبلوماسية مؤثرة.
دور الوساطة تحت الاختبار
تجد باكستان نفسها في موقع دقيق، فهي من جهة تسعى إلى تعزيز مكانتها الدولية من خلال لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، ومن جهة أخرى تحاول الحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف الأطراف، في منطقة تعيش على وقع توترات متصاعدة.
هذا الدور يمنح إسلام آباد فرصة لتعزيز نفوذها السياسي، لكنه في الوقت نفسه يضعها تحت ضغوط متزايدة، خاصة مع وجود توقعات متباينة من الأطراف المختلفة، وهو ما يجعل إدارة هذا الملف مهمة معقدة.
ويرى محللون أن نجاح باكستان في هذا الدور يعتمد بشكل كبير على قدرتها على الحفاظ على مسافة متساوية من جميع الأطراف، وتجنب أي خطوات قد تُفسَّر على أنها انحياز أو تبني لمواقف طرف بعينه.
انقسام داخلي ومخاوف شعبية
الجدل حول زيارة ترامب المحتملة يعكس أيضًا انقسامًا داخل الساحة الباكستانية، بين تيار يرى أن الانخراط في الوساطة الدولية يعزز مكانة البلاد، وتيار آخر يخشى من أن يؤدي هذا الانخراط إلى توريطها في صراعات أكبر.
كما أن الرأي العام يلعب دورًا مهمًا في هذا النقاش، خاصة في ظل حساسية العلاقة مع الولايات المتحدة، والتداعيات التي خلفتها السياسات الأميركية في المنطقة خلال السنوات الماضية.
ويخشى البعض من أن استقبال ترامب قد يُنظر إليه كخطوة غير متسقة مع المزاج الشعبي، ما قد يفتح الباب أمام انتقادات داخلية، ويؤثر على الاستقرار السياسي.
المشهد مفتوح على احتمالات متعددة
في ظل استمرار الغموض حول مستقبل المفاوضات، تبقى زيارة ترامب – إن تمت – خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، لتصبح جزءًا من لعبة التوازنات الإقليمية.
فهي من ناحية قد تعزز دور باكستان كوسيط، ومن ناحية أخرى قد تضعها في موقف حرج إذا لم تُدار بحذر، خاصة في ظل حساسية العلاقات مع إيران، والتوترات المستمرة في المنطقة.
ومع اقتراب المفاوضات من مراحل حاسمة، يبدو أن إسلام آباد مطالبة باتخاذ قرارات دقيقة، توازن بين مصالحها الوطنية ودورها الإقليمي، دون أن تنزلق إلى محاور الصراع.
في النهاية، لا تتعلق القضية بزيارة رئيس دولة فحسب، بل بكيفية إدارة باكستان لموقعها في خريطة سياسية معقدة، حيث يمكن لأي خطوة غير محسوبة أن تعيد رسم ملامح دورها في المنطقة.










