جولة مفاوضات جديدة بين لبنان وإسرائيل تركز على تثبيت الهدنة وسط تصاعد التوتر الإقليمي وتعثر المسار الأمريكي الإيراني
واشنطن – المنشر الإخباري
في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تعود المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية إلى الواجهة مجددًا، عبر جولة ثانية تستضيفها العاصمة الأمريكية واشنطن، في محاولة لإدارة التهدئة على جبهة الجنوب اللبناني، بالتوازي مع استمرار حالة الجمود في المسار الأمريكي الإيراني.
وتأتي هذه الجولة في ظل معادلة معقدة، حيث تسعى الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب إلى إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة على أكثر من جبهة، دون الانزلاق إلى تصعيد واسع قد يخلط أوراق المنطقة بالكامل.
مسار تفاوضي تحت الضغط
تُستأنف المحادثات بعد جولة أولى عُقدت في 14 أبريل، أعقبتها هدنة دخلت حيز التنفيذ في 16 من الشهر ذاته لمدة 10 أيام قابلة للتمديد، ما يمنح هذه الجولة طابعًا عمليًا يركز على تثبيت وقف إطلاق النار أكثر من تحقيق اختراقات سياسية كبرى.
ويحمل الوفد اللبناني، برئاسة ندى حمادة معوض، حزمة مطالب واضحة، تشمل تمديد الهدنة لشهر إضافي، ووقف عمليات الهدم في القرى الجنوبية، إلى جانب فتح ملفات الانسحاب الإسرائيلي، وإطلاق سراح الأسرى، وترسيم الحدود.
في المقابل، يدخل الجانب الإسرائيلي المفاوضات بأولوية أمنية مباشرة، تتمحور حول إنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان، وربط أي تقدم سياسي بموقع حزب الله على الأرض.
واشنطن تدير التوازنات
تعكس طريقة إدارة هذه الجولة إدراكًا أمريكيًا دقيقًا لحدود الواقع السياسي، إذ تتعامل الولايات المتحدة مع المفاوضات كجزء من عملية “ضبط إيقاع” وليس كمسار لحل نهائي.
فواشنطن لا تسعى في هذه المرحلة إلى تسوية شاملة، بقدر ما تحاول منع انهيار التهدئة، والحفاظ على حد أدنى من الاستقرار، خاصة في ظل تشابك الملفات الإقليمية.
وتدرك الإدارة الأمريكية أن أي تصعيد على الجبهة اللبنانية قد ينعكس مباشرة على ملفات أخرى أكثر تعقيدًا، وعلى رأسها العلاقة مع إيران.
المسار اللبناني: تثبيت الدولة في معادلة التفاوض
بالنسبة للبنان، تمثل هذه الجولة محاولة لإعادة تثبيت دور الدولة في إدارة ملف سيادي حساس، بعيدًا عن الضغوط الميدانية.
ومن المتوقع أن ينتقل التفاوض في مراحل لاحقة إلى مستوى أعلى، بقيادة سيمون كرم، بتكليف من الرئيس جوزاف عون، وهو ما يعكس رغبة رسمية في نقل الملف من الإطار التقني إلى مستوى سياسي أوسع.
لكن هذا الطموح يصطدم بواقع ميداني معقد، حيث لا تزال الهدنة هشة، وتخضع لاختبارات يومية على الأرض، ما يجعل أي تقدم سياسي مرهونًا بمدى صمود التهدئة.
جنوب لبنان: هدنة بلا استقرار كامل
على الأرض، لا تزال الأوضاع في جنوب لبنان تعكس حالة من “اللا حرب واللا سلم”، حيث خففت الهدنة من حدة المواجهات، لكنها لم تُنهِ احتمالات الاحتكاك.
هذا الوضع يفرض على بيروت التعامل مع المفاوضات كفرصة لشراء الوقت السياسي، وتوسيع هامش الحركة، بدلًا من التعويل على اختراق سريع.
وفي الوقت ذاته، تستخدم واشنطن هذه الهشاشة كأداة ضغط غير مباشرة، للحفاظ على استمرارية التفاوض ومنع انهياره.
الجمود مع طهران: الخلفية الحاسمة
في خلفية المشهد، يظل المسار بين الولايات المتحدة وإيران عند نقطة تعليق ممتدة، بعد قرار دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار، انتظارًا للرد الإيراني على المقترحات المطروحة.
هذا الجمود لا يعني توقف التفاعل، بل يعكس حالة “انتظار استراتيجي”، تترقب فيها الأطراف ما قد يدفع المفاوضات إلى مرحلة جديدة.
لكن في المقابل، يرفع هذا التعليق من مستوى التوتر العام في المنطقة، خاصة مع عودة التوتر في مضيق هرمز، وتأثيره المباشر على أسواق الطاقة والملاحة.
تداخل المسارات: إدارة أزمة متعددة الجبهات
ما يميز هذه المرحلة هو تداخل المسارات التفاوضية، حيث تدير واشنطن في الوقت نفسه:
- مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل
- قناة سياسية مع إيران
- ضغوط إقليمية مرتبطة بأمن الطاقة
هذا التداخل يمنح الجولة اللبنانية–الإسرائيلية وزنًا إضافيًا، لأنها تمثل “المسار الممكن” في لحظة يتعثر فيها المسار الأكثر تعقيدًا مع طهران.
سقف التوقعات: تقدم محدود ولكن ضروري
تشير المعطيات إلى أن هذه الجولة لن تتجاوز في أفضل الأحوال تحقيق “تقدم تقني”، يتمثل في:
- تمديد وقف إطلاق النار
- فتح قنوات متابعة للانسحاب الإسرائيلي
- تحريك ملف الأسرى
- استكمال النقاش حول ترسيم الحدود
ورغم محدودية هذا السقف، إلا أن أهميته تكمن في قدرته على تثبيت التهدئة، ومنع انزلاق الأوضاع نحو تصعيد أوسع.
اختبار المرحلة: التهدئة أم الانفجار؟
في النهاية، تبقى هذه الجولة جزءًا من اختبار أوسع تعيشه المنطقة، حيث تتقاطع مسارات التفاوض مع احتمالات التصعيد.
نجاحها لن يُقاس بحجم الاتفاقات الموقعة، بل بقدرتها على:
- تثبيت الهدوء الميداني
- الحفاظ على قنوات التفاوض
- منع انتقال التوتر إلى جبهات أخرى
وفي ظل استمرار الجمود مع طهران، تظل هذه المفاوضات بمثابة “صمام أمان مؤقت”، في انتظار ما ستسفر عنه المواجهة السياسية الأكبر في الإقليم.










