جولة واشنطن ترسم ملامح مسار تفاوضي معقّد بين بيروت وتل أبيب وسط رهانات على فصل المسار الإيراني وتثبيت هدنة طويلة
واشنطن – المنشر الإخباري
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تدخل المحادثات اللبنانية – الإسرائيلية مرحلة جديدة من الترتيب السياسي، حيث تستضيف واشنطن جولة ثانية من اللقاءات بين الجانبين، في محاولة لبناء إطار تفاوضي قد يمهد لاتفاق طويل الأمد، أو على الأقل تثبيت هدنة قابلة للاستمرار.
هذه الجولة لا تُقرأ باعتبارها مفاوضات نهائية، بل كمرحلة تأسيسية تُعيد ترتيب الأولويات، وتضع الخطوط العريضة لمسار تفاوضي طويل، يتداخل فيه الأمني بالسياسي، والإقليمي بالمحلي، في ظل بيئة لا تزال مفتوحة على احتمالات التصعيد.
مسار تمهيدي تحت الضغط الإقليمي
تأتي هذه المحادثات في سياق إقليمي متوتر، حيث لا تزال تداعيات المواجهات الأخيرة تلقي بظلالها على المشهد، خاصة في الجنوب اللبناني الذي يعيش حالة من الهدوء الحذر.
التحركات الأمريكية في هذا الملف تعكس محاولة لإدارة التوتر، وليس حله بشكل نهائي، إذ تسعى واشنطن إلى تثبيت التهدئة ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين الطرفين.
وفي هذا السياق، تتحول المفاوضات إلى أداة “ضبط إيقاع” أكثر من كونها أداة حسم، حيث يتم التعامل معها كجزء من إدارة أزمة ممتدة، لا كحل جذري لها.
الورقة اللبنانية: ثوابت لا تقبل التنازل
يدخل لبنان هذه الجولة وهو يحمل حزمة من المطالب التي تشكل جوهر موقفه التفاوضي، وتدور جميعها حول مبدأ أساسي: استعادة السيادة الكاملة على الأراضي.
في مقدمة هذه المطالب، يبرز شرط الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع المناطق التي دخلتها خلال الفترة الأخيرة، وصولًا إلى الحدود المعترف بها دوليًا. هذا المطلب لا يُطرح كخيار تفاوضي، بل كقاعدة لأي اتفاق محتمل.
كما يتمسك الجانب اللبناني بضرورة تثبيت وقف إطلاق النار لفترة ممتدة، تتراوح بين أسابيع وشهر على الأقل، بما يسمح بخلق بيئة مناسبة للانتقال إلى مراحل تفاوضية أكثر عمقًا.
ولا تتوقف المطالب عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل وقف عمليات القصف والهدم، وإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين، إضافة إلى إعادة ترتيب الوضع الحدودي، خاصة في النقاط الخلافية المرتبطة بما يُعرف بـ”الخط الأزرق”.
الحدود… العقدة الأكثر تعقيدًا
ملف ترسيم الحدود البرية يظل أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في هذا المسار، حيث لا تزال هناك نقاط خلافية لم تُحسم منذ سنوات.
ورغم التوصل سابقًا إلى تفاهمات جزئية حول بعض النقاط، فإن عددًا من الملفات لا يزال عالقًا، ما يجعل هذا الملف مرشحًا لأن يكون أحد أبرز معوقات أي اتفاق نهائي.
التعامل مع هذه القضية يتطلب مفاوضات تقنية دقيقة، تتجاوز البعد السياسي، لتدخل في تفاصيل جغرافية وقانونية شديدة التعقيد، وهو ما يفسر الاتجاه نحو تأجيل الحسم فيها إلى مراحل لاحقة.
إسرائيل: أولوية أمنية قبل أي التزام سياسي
في المقابل، يدخل الجانب الإسرائيلي هذه المحادثات برؤية مختلفة، تضع الأمن في صدارة الأولويات.
تركز تل أبيب على تثبيت واقع أمني جديد في الجنوب اللبناني، يتضمن تقليص المخاطر المرتبطة بالحدود، وربط أي تقدم سياسي بمدى السيطرة على التهديدات القادمة من هذه المنطقة.
هذا التباين في الأولويات بين الجانبين يعكس فجوة واضحة في الرؤية، حيث يتحدث لبنان عن سيادة وحدود، بينما تتحدث إسرائيل عن أمن وضمانات.
فصل المسار الإيراني: رهان لبناني حاسم
أحد أبرز التحولات في الموقف اللبناني يتمثل في محاولة فصل الملف اللبناني عن المسار الإيراني، في خطوة تهدف إلى إعادة تقديم بيروت كطرف مستقل في التفاوض.
هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا داخل لبنان بأن ربط الملف المحلي بالتوازنات الإقليمية قد يعرقل أي تقدم، لذلك يتم الدفع نحو مسار تفاوضي يركز على المصالح اللبنانية المباشرة.
لكن هذا الفصل، رغم أهميته السياسية، يظل معقدًا في التطبيق، نظرًا لتشابك الملفات الإقليمية وتأثيرها المباشر على الواقع اللبناني.
واشنطن: إدارة المسارات لا حسمها
الدور الأمريكي في هذه الجولة يبدو أقرب إلى إدارة التوازنات منه إلى فرض حلول.
تدرك واشنطن حدود قدرتها على تحقيق اختراق سريع، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي، لذلك تركز على إبقاء المسار التفاوضي قائمًا، ومنع انهياره.
هذا النهج يعكس مقاربة تدريجية، تقوم على تحقيق تقدم محدود لكنه مستمر، بدلًا من السعي إلى اتفاق شامل قد يكون غير واقعي في هذه المرحلة.
مفاوضات “متداخلة” في بيئة غير مستقرة
ما يزيد من تعقيد هذه المحادثات هو تداخلها مع ملفات إقليمية أخرى، خاصة المسار الأمريكي – الإيراني، الذي لا يزال عند نقطة جمود.
هذا التداخل يجعل أي تقدم في الملف اللبناني مرتبطًا، بشكل غير مباشر، بما يحدث في ملفات أخرى، وهو ما يفرض على الأطراف التعامل بحذر مع كل خطوة تفاوضية.
كما أن استمرار التوتر في مناطق مثل مضيق هرمز يضيف بعدًا إضافيًا من الحساسية، حيث تتأثر حسابات الطاقة والأمن الإقليمي بأي تطور ميداني.
بين الهدنة والاتفاق: طريق طويل
تشير المعطيات الحالية إلى أن أقصى ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة هو تمديد تقني للهدنة، مع فتح الباب أمام جولات تفاوضية لاحقة.
أما الوصول إلى اتفاق شامل، سواء كان على شكل هدنة طويلة الأمد أو اتفاق عدم اعتداء أو حتى معاهدة سلام، فيظل هدفًا بعيد المدى، يتطلب تغيرات أعمق في البيئة السياسية والأمنية.
في المحصلة، لا تعكس محادثات واشنطن مجرد تفاوض ثنائي بين لبنان وإسرائيل، بل تمثل جزءًا من مشهد إقليمي أوسع، تتداخل فيه الحسابات السياسية والعسكرية.
لبنان يرفع سقف مطالبه إلى حد الانسحاب الكامل، بينما تتمسك إسرائيل بأولوياتها الأمنية، وتتحرك واشنطن بين الطرفين لإبقاء المسار مفتوحًا.
وبين هذه المواقف المتباينة، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح هذه الجولة في تثبيت التهدئة، أم أنها مجرد محطة مؤقتة في مسار طويل من التفاوض المفتوح؟










