في كشف جديد يضع ملف التدخلات الخارجية في الأزمة السودانية تحت المجهر الدولي، أصدرت منظمة تحليل الأمن الدولية “مجموعة رؤى الصراع” (CIG) تقريرا استقصائيا مدويا، وثقت فيه بالدليل القاطع تورط شبكة من المرتزقة الكولومبيين، مدعومين من دولة الإمارات العربية المتحدة، في تقديم دعم عسكري حاسم لمليشيا الدعم السريع، وهو الدعم الذي مكن الأخيرة من السيطرة على مدينة الفاشر وما تلاها من فظائع إنسانية.
التتبع الرقمي: الهواتف والـ “Wi-Fi” كأدلة جنائية
اعتمد التحقيق على تقنيات تتبع رقمية متطورة، حيث تتبع المحللون بيانات أكثر من 50 هاتفا نقالا تعود لمرتزقة كولومبيين. وأظهرت البيانات مسارا يبدأ من كولومبيا وصولا إلى مطار زايد الدولي في أبوظبي، ومن ثم الانتقال إلى مركز تدريب عسكري إماراتي في منطقة “غياثي”.
المفاجأة التقنية التي رصدها التقرير كانت في “الآثار الرقمية” التي تركها هؤلاء المقاتلون أثناء العمليات القتالية في دارفور؛ حيث رصدت هواتفهم وهي تتصل بشبكات لاسلكية (Wi-Fi) تحمل أسماء باللغة الإسبانية مثل “ANTIAEREO” (مضاد للطائرات) و“AirDefense” في مدينة نيالا، وشبكة باسم “Atacador” (المهاجم) أثناء حصار مدينة الفاشر وسقوطها في أكتوبر الماضي.
“ذئاب الصحراء”: لواء المرتزقة والصلة الإماراتية
وكشف التقرير أن هؤلاء المرتزقة يعملون ضمن وحدة تعرف باسم لواء “ذئاب الصحراء” (Lobos Del Desierto)، بقيادة العقيد المتقاعد من الجيش الكولومبي ألفارو كويخانو، المقيم في الإمارات. وتولى هؤلاء المرتزقة مهاما تقنية وعسكرية معقدة شملت قيادة الطائرات المسيرة (الدرونز)، والعمل كخبراء مدفعية ومدربين لمليشيا الدعم السريع.
وبحسب جاستن لينش، مدير “مجموعة رؤى الصراع”، فإن هذا البحث يمثل المرة الأولى التي يتم فيها إثبات تورط الإمارات بشكل “قاطع”، مؤكدا أن حجم الفظائع والحصار الخانق الذي شهدته الفاشر — والذي وصفه محققو الأمم المتحدة بأنه يحمل سمات الإبادة الجماعية — لم يكن ليحدث لولا الدعم التقني وعمليات المسيرات التي وفرها هؤلاء المرتزقة.
ضغوط دولية وشركات واجهة
وربط التقرير بين لواء “ذئاب الصحراء” وشركات تتخذ من الإمارات مقرا لها، ولها صلات موثقة بمسؤولين إماراتيين كبار، حيث تتولى هذه الشركات دفع رواتب المرتزقة وإدارة عملياتهم اللوجستية. كما رصد التقرير نشاطا لأجهزة ناطقة بالإسبانية في موانئ صومالية ومناطق في جنوب شرق ليبيا، تعتبر مراكز إمداد لوجستي للسلاح المتدفق إلى الدعم السريع عبر تسهيلات إماراتية.
وعلى الرغم من نفي أبوظبي المتكرر لدعمها لأي طرف في الصراع السوداني، ووصفها للاتهامات بأنها “ادعاءات كاذبة”، إلا أن التقرير يضعها تحت ضغوط دولية هائلة.
يذكر أن وزارة الخزانة الأمريكية كانت قد فرضت عقوبات على مواطنين كولومبيين وشركات مرتبطة بهم لتورطهم في تجنيد مقاتلين للسودان، واصفة إياهم بـ “أشباح الموت”، بينما وصف الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو عملية تجنيدهم بأنها شكل من أشكال “الاتجار بالبشر”.
ويخلص التقرير إلى أن شبكة المرتزقة “الإماراتية-الكولومبية” تتحمل مسؤولية مشتركة عن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة التي وقعت في دارفور.
وفي ظل استمرار الحرب منذ عام 2023، يرى المحللون أن هذا النوع من الدعم الخارجي النوعي يظل العامل الأساسي في إطالة أمد المعاناة السودانية وتحويل المدن إلى ساحات للمجازر الممنهجة.










