طهران ترفض قرار الجامعة العربية وتؤكد أن عملياتها دفاعية وفق ميثاق الأمم المتحدة وسط تصاعد التوتر الإقليمي
نيويورك- المنشر الإخبارى
في تصعيد دبلوماسي جديد يعكس حدة التوتر في المنطقة، وجّهت إيران تحذيرات مباشرة إلى عدد من الدول العربية، مطالبة إياها بعدم تقديم أي دعم عسكري أو لوجستي أو استخباراتي للعمليات التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل في أي مواجهة عسكرية مستقبلية، مؤكدة أن أي تعاون من هذا النوع سيحمّل تلك الدول مسؤولية قانونية دولية عن تبعات التصعيد.
وجاء الموقف الإيراني في سياق رد رسمي على قرار صادر عن جامعة الدول العربية، الذي أدان العمليات العسكرية الإيرانية الأخيرة واعتبرها تهديدًا لاستقرار المنطقة، وطالب طهران بتقديم تعويضات عن الهجمات التي استهدفت مواقع تضم قوات أمريكية في بعض دول الشرق الأوسط.
المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي رفض القرار العربي بشكل قاطع، واعتبره منحازًا ولا يعكس صورة متوازنة للأحداث، مشيرًا إلى أن بعض الدول الأعضاء في الجامعة دفعت باتجاه تبني موقف لا يأخذ في الاعتبار “جذور الأزمة الحقيقية” في المنطقة.
وأكد بقائي أن إيران ترفض بشكل كامل ما ورد في البيان العربي، داعيًا الجامعة إلى إعادة النظر في مواقفها بعيدًا عن تأثير ما وصفه بـ”القراءات الأحادية وغير البنّاءة” التي لا تساعد على تحقيق الاستقرار الإقليمي.
وفي توضيحه للموقف الإيراني، شدد على أن العمليات العسكرية التي نفذتها بلاده لم تكن هجومية، بل جاءت في إطار “حق الدفاع عن النفس”، وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وذلك ردًا على ما وصفه بالعدوان العسكري الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على الأراضي الإيرانية.
وأشار إلى أن هذه العمليات استهدفت قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية في المنطقة، خاصة في مناطق تطل على الخليج العربي، مؤكدًا أن تلك الهجمات جاءت بعد ما اعتبره سلسلة من الاستفزازات العسكرية المباشرة ضد إيران.
وفي رسالة تحذيرية موجهة إلى الحكومات الإقليمية، قال المتحدث الإيراني إن أي دولة تضع أراضيها أو أجواءها أو بنيتها التحتية العسكرية تحت تصرف العمليات العدائية ضد إيران، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ستتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن النتائج المترتبة على ذلك، وقد تواجه تداعيات سياسية وقانونية مستقبلًا.
وأضاف أن بعض الدول الإقليمية لعبت أدوارًا غير مباشرة في تسهيل العمليات العسكرية، عبر توفير دعم لوجستي أو معلومات استخباراتية أو تسهيلات ميدانية، وهو ما تعتبره طهران تصعيدًا خطيرًا يهدد الأمن الإقليمي برمته.
وفي سياق متصل، أعادت طهران التأكيد على أن مصدر التوتر في المنطقة لا يعود إلى سياساتها، بل إلى وجود قوى خارجية وتدخلاتها المستمرة، إلى جانب استمرار النزاعات المزمنة، وعلى رأسها الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، الذي وصفته بأنه عامل رئيسي في عدم الاستقرار.
وترى إيران أن استمرار الاحتلال والسياسات العسكرية في المنطقة، إضافة إلى التدخلات الخارجية، هي الأسباب الجوهرية وراء تصاعد التوترات، وأن تجاهل هذه الحقائق يؤدي إلى “قراءة مشوهة” للأزمة الإقليمية.
كما حذرت من أن استمرار ما وصفته بـ”الإفلات من العقاب” لبعض الأطراف سيؤدي إلى مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار، ويقوض أي جهود دولية لإرساء قواعد الأمن في المنطقة.
ورغم لهجة التحذير، أكدت طهران أنها لا تزال منفتحة على الحوار مع دول الجوار، وتسعى إلى تعزيز التعاون الإقليمي على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مشيرة إلى أن استقرار المنطقة يتطلب مقاربة جماعية بعيدًا عن الاستقطاب العسكري.
وتأتي هذه التطورات في أعقاب مواجهة عسكرية استمرت نحو 40 يومًا، بدأت في أواخر فبراير، وشهدت تبادل ضربات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ما أدى إلى تصعيد غير مسبوق في المنطقة.
وبحسب الرواية الإيرانية، فقد تم استخدام بعض الأراضي والأجواء التابعة لدول إقليمية في تنفيذ عمليات ضدها، وهو ما دفع طهران إلى الرد عبر سلسلة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة استهدفت مواقع عسكرية أمريكية وإسرائيلية في المنطقة.
وفي 8 أبريل، تم التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت بوساطة دولية، إلا أن هذا الاتفاق لم ينهِ حالة التوتر، حيث فشلت الجولة الأولى من المفاوضات بين طهران وواشنطن في تحقيق أي تقدم ملموس، بسبب الخلافات العميقة حول الشروط المطروحة.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد الهدنة ومنح فرصة إضافية للمسار التفاوضي، غير أن طهران امتنعت عن الالتزام بجولة جديدة، متهمة واشنطن بفرض “مطالب مفرطة” واستمرار ما وصفته بالحصار البحري على إيران.
وتشير التطورات الحالية إلى أن المنطقة لا تزال تعيش حالة من الترقب، في ظل غياب اتفاق شامل يضمن تهدئة طويلة الأمد، واستمرار التوترات بين الأطراف الرئيسية، ما يجعل مستقبل الاستقرار الإقليمي مرهونًا بنتائج المسارات الدبلوماسية المقبلة.
ويرى مراقبون أن التصعيد الأخير يعكس تحوّل المواجهة من البعد العسكري المباشر إلى ساحة دبلوماسية وقانونية، حيث تسعى كل الأطراف إلى تثبيت روايتها للأحداث داخل المؤسسات الدولية، في وقت تتداخل فيه ملفات الأمن والطاقة والملاحة البحرية والسياسة الإقليمية بشكل غير مسبوق.
وبين التحذيرات المتبادلة والاتهامات المتصاعدة، تبقى المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الحسابات السياسية والعسكرية مع مصالح دولية واسعة، ما يجعل أي خطأ في التقدير قابلًا لإعادة إشعال المواجهة في أي لحظة.










