في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والعراق، وجهت واشنطن تحذيراً جديداً لبغداد بشأن أنشطة الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، مؤكدة أنها لن تتهاون مع أي تهديد لمصالحها في المنطقة، في وقت يشهد فيه الداخل العراقي ترتيبات سياسية معقدة لتشكيل الحكومة الجديدة.
بغداد – المنشر الإخباري
تشهد الساحة العراقية مرحلة سياسية وأمنية بالغة الحساسية، مع تزايد الضغوط الأمريكية على الحكومة في بغداد لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه الفصائل المسلحة، التي تتهمها واشنطن بالوقوف خلف سلسلة هجمات استهدفت مصالحها خلال الأشهر الماضية.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية في تصريحات نقلتها وسائل إعلام دولية، إن الولايات المتحدة “ستتخذ كل الإجراءات الضرورية” لمواجهة ما وصفه بـ“الأنشطة الإيرانية عبر الفصائل المسلحة داخل العراق”، مشدداً على أن استمرار الهجمات أو التغاضي عنها من قبل الحكومة العراقية “سيؤثر بشكل مباشر على مستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين”.
وأضاف المتحدث أن واشنطن لا تنظر إلى هذه الهجمات باعتبارها أحداثاً منفصلة، بل كجزء من “نمط متكرر يهدد الاستقرار الإقليمي ويقوّض التعاون الأمني”، مؤكداً أن بلاده لن تتسامح مع أي استهداف لمصالحها أو قواتها أو بعثاتها الدبلوماسية.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يشهد فيه العراق تحولات سياسية مهمة، بعد إعلان قوى الإطار التنسيقي التوافق على ترشيح رجل الأعمال علي الزيدي لرئاسة الحكومة الجديدة، في محاولة لإنهاء حالة الانسداد السياسي التي استمرت لأشهر.
وبالتوازي مع ذلك، كشفت تقارير إعلامية أمريكية، بينها صحيفة “وول ستريت جورنال”، أن واشنطن اتخذت بالفعل خطوات عملية للضغط على بغداد، من بينها تعليق بعض برامج التعاون الأمني مع الجيش العراقي، إضافة إلى منع تحويلات مالية ضخمة كانت مخصصة ضمن عائدات النفط، في إشارة إلى أن العلاقة بين الطرفين تمر بمرحلة اختبار صعبة.
وتشير التقارير إلى أن هذه الإجراءات تهدف إلى زيادة الضغط على الحكومة العراقية لدفعها نحو اتخاذ موقف أكثر حدة تجاه الفصائل المسلحة، خصوصاً تلك التي تُتهم بالحصول على دعم مباشر أو غير مباشر من إيران.
في المقابل، تحاول الحكومة العراقية الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الخارجية، حيث أكد مسؤولون في بغداد أن الشراكة مع الولايات المتحدة لا تزال “إستراتيجية ومهمة”، خاصة في ملف مكافحة تنظيم داعش، لكنهم شددوا في الوقت ذاته على أن معالجة ملف الفصائل المسلحة “لا يمكن أن تتم عبر إجراءات مفاجئة قد تهدد الاستقرار الداخلي”.
ويرى مراقبون أن هذا التباين يعكس تعقيدات المشهد العراقي، حيث تتداخل الحسابات السياسية الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية، في ظل استمرار نفوذ الفصائل المسلحة داخل مؤسسات الدولة ومحيطها الأمني.
وفي تصعيد لافت، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية مؤخراً تخصيص مكافآت مالية تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن عدد من قادة الفصائل المسلحة العراقية، في خطوة اعتبرها مراقبون جزءاً من استراتيجية أمريكية جديدة تستهدف تقليص نفوذ هذه الجماعات.
وشملت قائمة المطلوبين أسماء بارزة تتهمها واشنطن بالوقوف وراء هجمات استهدفت منشآت دبلوماسية وقواعد عسكرية، بالإضافة إلى عمليات وصفتها بأنها “أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين وعسكريين”.
وتؤكد وزارة الخارجية الأمريكية أن هذه الخطوات تأتي ضمن سياسة أوسع تهدف إلى “محاسبة المسؤولين عن العنف في العراق”، ودعم الحكومة العراقية في فرض سيادة القانون، رغم أن هذه الإجراءات تُنظر إليها في الداخل العراقي باعتبارها ضغطاً سياسياً مباشراً.
في الوقت نفسه، يرى محللون أن التصعيد الأمريكي قد يضع العراق أمام مرحلة دقيقة، خاصة مع اقتراب تشكيل الحكومة الجديدة، حيث من المتوقع أن يواجه رئيس الوزراء المكلف تحديات مزدوجة تتعلق بإدارة العلاقة مع واشنطن من جهة، والتعامل مع القوى السياسية والفصائل المسلحة من جهة أخرى.
وتشير المعطيات إلى أن الفترة المقبلة قد تشهد إعادة رسم لملف العلاقات العراقية–الأمريكية، خصوصاً إذا استمرت الهجمات أو توسعت دائرة الاستهداف لتشمل مصالح دولية أخرى داخل العراق.
وبينما تحاول بغداد احتواء التوتر، يبدو أن واشنطن ماضية في نهج أكثر صرامة، ما يجعل المشهد العراقي مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتراوح بين التهدئة المشروطة أو مزيد من التصعيد السياسي والأمني في المرحلة المقبلة.










