تصاعدت حدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة بعد إعلان واشنطن فرض عقوبات جديدة على كيانات نفطية صينية بدعوى ارتباطها بتجارة النفط الإيراني، وهو ما دفع بكين إلى اتهام الإدارة الأمريكية باستخدام “سياسة العقوبات الأحادية” خارج إطار القانون الدولي، في خطوة تعكس اتساع رقعة الخلافات الاقتصادية والسياسية بين القوتين.
بكين – المنشر الإخبارى
أدانت الصين بشدة القرار الأمريكي الأخير بفرض عقوبات على عدد من المصافي والشركات النفطية الصينية، على خلفية ما وصفته واشنطن بعلاقات مزعومة مع إيران، معتبرة أن هذه الإجراءات تمثل “استخدامًا تعسفيًا للعقوبات” وتعديًا على السيادة الاقتصادية للشركات الصينية.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان، خلال مؤتمر صحفي عقد يوم الاثنين، إن بلاده “تعارض بشكل دائم العقوبات الأحادية التي لا تستند إلى أي أساس في القانون الدولي”، مؤكداً أن هذه الإجراءات الأمريكية لا تساهم في حل النزاعات بل تزيد من تعقيدها.
وتأتي تصريحات بكين بعد إعلان وزارة الخزانة الأمريكية، يوم الجمعة، فرض حزمة جديدة من العقوبات المرتبطة بإيران، استهدفت عدداً من الكيانات، من بينها مصفاة “هينجلي للبتروكيماويات” في مدينة داليان الصينية، إلى جانب مصافٍ مستقلة أخرى في مقاطعة شاندونغ، المعروفة في الأوساط النفطية باسم “مصافي إبريق الشاي”، بالإضافة إلى نحو 40 كياناً وشركة أخرى.
وبحسب الجانب الأمريكي، فإن هذه الخطوة تأتي ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى “تقييد ما تصفه واشنطن بالتجارة غير المشروعة للنفط الإيراني”، في إطار الضغوط الاقتصادية المستمرة على طهران.
إلا أن الصين رفضت هذه التبريرات، حيث أكد لين جيان أن بلاده “تحث الولايات المتحدة على التخلي عن ممارسات العقوبات التعسفية وفرض الولاية القضائية خارج الحدود”، في إشارة إلى ما تعتبره بكين تجاوزاً للصلاحيات القانونية الدولية.
وأضاف المتحدث أن الصين “ستحمي بحزم الحقوق والمصالح المشروعة لشركاتها الوطنية”، مؤكداً أن استهداف الاقتصاد الصيني عبر العقوبات لن يغير من سياسات بكين أو مواقفها تجاه القضايا الدولية.
وفي سياق متصل، دعت الصين الولايات المتحدة إلى إظهار “الجدية والصدق” في التعامل مع الملف النووي الإيراني، معتبرة أن استمرار التوتر بين واشنطن وطهران يعرقل أي تقدم دبلوماسي حقيقي في هذا الملف المعقد.
كما انتقدت بكين في بياناتها الرسمية ما وصفته بـ“العدوان العسكري المشترك الأمريكي الإسرائيلي” على إيران، معتبرة أن مثل هذه الإجراءات تتعارض مع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وجاء ذلك في تقرير حديث أصدرته وزارة الخارجية الصينية حول تنفيذ معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، حيث حمّلت بكين الولايات المتحدة المسؤولية المباشرة عن الجمود الدبلوماسي الحالي بين طهران وواشنطن.
وأوضح التقرير أن السياسات الأمريكية، بما في ذلك الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني المعروف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)”، كانت السبب الرئيسي في انهيار مسار التفاهمات السابقة، ودخول الملف النووي في حالة من الجمود الطويل.
وأشار التقرير كذلك إلى أن العمليات العسكرية التي نُفذت ضد إيران في فترات سابقة، بما في ذلك الهجمات في يونيو 2025 وأحداث 28 فبراير، تمثل – بحسب بكين – “انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة”.
وتؤكد الصين في موقفها أن الحلول الدبلوماسية هي الطريق الوحيد لمعالجة الملف النووي الإيراني، داعية إلى العودة إلى طاولة المفاوضات بعيداً عن الضغوط الاقتصادية والعقوبات الأحادية التي تزيد من تعقيد الأزمة.
وفي المقابل، ترى واشنطن أن العقوبات الاقتصادية تمثل أداة ضغط ضرورية للحد مما تصفه بأنشطة إيران النووية والتجارية غير المشروعة، بما في ذلك شبكات تصدير النفط التي يُعتقد أنها تعتمد على وسطاء وشركات في آسيا.
ويرى محللون أن التصعيد الأخير بين بكين وواشنطن يعكس اتساع رقعة الخلافات بين الطرفين، والتي لم تعد تقتصر على ملفات التجارة والتكنولوجيا، بل امتدت إلى القضايا الجيوسياسية المعقدة، وعلى رأسها الملف الإيراني.
كما يشير مراقبون إلى أن استمرار هذا التوتر قد يؤثر على أسواق الطاقة العالمية، خاصة في ظل ارتباط المصالح الصينية بإمدادات النفط من الشرق الأوسط، واعتماد العديد من المصافي الآسيوية على خامات إيرانية أو شبه إيرانية.
وبينما تتبادل العاصمتان الاتهامات، يبقى المشهد مفتوحاً على مزيد من التصعيد الدبلوماسي والاقتصادي، في ظل غياب أي مؤشرات على تهدئة قريبة بين واشنطن وبكين حول هذا الملف الحساس.










