تشهد صناعة التكنولوجيا العالمية موجة اضطراب غير مسبوقة، بعد أن امتدت تداعيات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران إلى سلاسل الإمداد الخاصة بالمواد الخام الحيوية، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الألواح الإلكترونية (PCB) وتعطيل تدفقات إنتاج مكونات أساسية تدخل في كل الأجهزة الحديثة، وسط تحذيرات من أزمة ممتدة تطال قطاع الذكاء الاصطناعي والإلكترونيات الدقيقة عالميًا.
لندن – المنشر الإخبارى
تتسع دائرة التأثيرات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في إيران لتشمل واحدًا من أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد العالمي، وهو قطاع تصنيع الإلكترونيات والشرائح الدقيقة، حيث أدت اضطرابات الإمدادات إلى قفزات كبيرة في أسعار المواد الخام الأساسية، وعلى رأسها المواد الكيميائية والمعادن المستخدمة في صناعة الألواح الإلكترونية (PCB)، التي تُعد المكون الأساسي في كل الأجهزة الرقمية الحديثة.
وبحسب تقرير نقلته وكالة “رويترز”، فإن العمليات العسكرية والتوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران أدت إلى اختلالات كبيرة في سلاسل التوريد العالمية، لم تقتصر على النفط والغاز، بل امتدت لتشمل المواد الصناعية الدقيقة، مثل الراتنجات والبولي فينيلين إيثر (PPE) والألياف الزجاجية والنحاس.
وأفاد التقرير بأن الضربة التي استهدفت مجمع الجبيل للبتروكيماويات في السعودية مطلع أبريل، أدت إلى توقف إنتاج مادة “بولي فينيلين إيثر” عالية النقاء، وهي مادة أساسية تُستخدم في تصنيع طبقات الألواح الإلكترونية، ما تسبب في صدمة مباشرة لسوق الإلكترونيات العالمي.
ويُعد مجمع الجبيل أحد أهم المراكز الصناعية في العالم، وتلعب شركة “سابك” دورًا محوريًا فيه، حيث تمثل نحو 70% من الإنتاج العالمي لهذه المادة الحيوية، ما يجعل أي توقف في إنتاجها ذا تأثير مباشر على سلاسل الإمداد الدولية.
وبحسب مصادر صناعية، فإن التوقف الجزئي في الإنتاج لم يتم احتواؤه حتى الآن بشكل كامل، ما أدى إلى نقص حاد في المعروض العالمي، ودفع الشركات المصنعة إلى البحث عن بدائل أقل جودة وأكثر تكلفة، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار الإنتاج النهائية.
وفي موازاة ذلك، يشهد قطاع تصنيع الألواح الإلكترونية ارتفاعًا متسارعًا في الأسعار منذ أواخر العام الماضي، مدفوعًا بزيادة الطلب من قطاع خوادم الذكاء الاصطناعي، الذي يشهد توسعًا غير مسبوق مع تسارع الاعتماد العالمي على الحوسبة السحابية وتقنيات التعلم الآلي.
لكن وتيرة الارتفاع تسارعت بشكل لافت منذ مارس الماضي، وفق ما نقلته “رويترز” عن ثلاثة مصادر صناعية، حيث بدأت الشركات العالمية في الدخول في سباق محموم لتأمين المواد الخام، ما أدى إلى ضغط كبير على الأسواق وارتفاعات سعرية متتالية.
وفي شهر أبريل وحده، سجلت أسعار بعض أنواع الألواح الإلكترونية ارتفاعًا وصل إلى 40% مقارنة بالشهر السابق، بحسب تقديرات بنك “غولدمان ساكس”، الذي أشار إلى أن هذا الاتجاه قد يستمر في ظل الطلب المتزايد من شركات التكنولوجيا الكبرى، خاصة مزودي خدمات الحوسبة السحابية.
ويرى البنك أن هذه الشركات باتت أكثر استعدادًا لتحمل زيادات إضافية في الأسعار، نظرًا لتوقعها استمرار نمو الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية خلال السنوات المقبلة، ما يقلل من حساسية السوق تجاه ارتفاع التكاليف في المدى القصير.
وفي سياق متصل، توقعت مؤسسة “بريزمارك” المتخصصة في أبحاث سوق الإلكترونيات أن ينمو حجم صناعة الألواح الإلكترونية عالميًا بنسبة 12.5% ليصل إلى نحو 95.8 مليار دولار بحلول عام 2026، إلا أن هذا النمو يواجه تحديات مرتبطة باستقرار سلاسل الإمداد وتوافر المواد الخام.
وتشير البيانات إلى أن النحاس، الذي يُعد مكونًا رئيسيًا في تصنيع الألواح الإلكترونية، يمثل نحو 60% من إجمالي تكلفة المواد الخام، ما يجعل أي اضطراب في أسعاره عاملًا مؤثرًا بشكل مباشر على التكلفة النهائية للإنتاج.
وبحسب تقرير صناعي، فقد ارتفعت أسعار رقائق النحاس بنحو 30% منذ بداية العام، مع تسارع واضح في الارتفاع خلال مارس وأبريل، نتيجة زيادة الطلب العالمي وتراجع المعروض بسبب اضطرابات الإمدادات.
كما أشار التقرير إلى أن الألياف الزجاجية والراتنجات الصناعية تشهد هي الأخرى نقصًا متزايدًا، ما يفاقم الأزمة في قطاع تصنيع الإلكترونيات، خاصة في المنتجات عالية الدقة المستخدمة في خوادم الذكاء الاصطناعي والأنظمة العسكرية والاتصالات المتقدمة.
وفي هذا السياق، كشفت شركة “فيكتوري جاينت تكنولوجي” الصينية، وهي أحد أكبر موردي الألواح الإلكترونية لشركات مثل “إنفيديا”، أن تكلفة المواد الخام تشهد ارتفاعًا غير مسبوق، ما قد يدفع الأسعار النهائية إلى مستويات جديدة خلال الأشهر المقبلة.
وأوضحت الشركة أن النحاس وحده يشكل الجزء الأكبر من تكلفة الإنتاج، إلى جانب مواد أخرى مثل الراتنج والألياف الزجاجية، مشيرة إلى أن أي زيادة إضافية في أسعار هذه المواد ستنعكس مباشرة على تكلفة الأجهزة الإلكترونية عالميًا.
كما حذرت من أن الألواح متعددة الطبقات، المستخدمة في الخوادم المتقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، قد تشهد زيادات كبيرة في التكلفة، ما قد يؤثر على خطط التوسع لدى شركات التكنولوجيا الكبرى.
ويرى محللون أن هذه الأزمة لا تعكس فقط اضطرابًا مؤقتًا في السوق، بل تشير إلى تحول هيكلي في سلاسل الإمداد العالمية، حيث أصبحت الصناعات التقنية أكثر ارتباطًا بالتطورات الجيوسياسية والنزاعات العسكرية في مناطق الإنتاج الحيوية.
ويحذر خبراء الاقتصاد من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة في قطاع التكنولوجيا، مع احتمال انتقال تأثير ارتفاع التكاليف إلى المستهلك النهائي عبر زيادة أسعار الأجهزة الإلكترونية والمنتجات الرقمية.
وبينما تسعى الشركات العالمية إلى إعادة توزيع سلاسل التوريد وتقليل الاعتماد على مناطق النزاع، يبقى المشهد مفتوحًا على مزيد من التقلبات، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وعدم استقرار أسواق المواد الخام الأساسية.











