لم يكن إعادة نشر مقال في وكالة “تسنيم” الإخبارية مجرد هفوة تحريرية عابرة، بل كان الشرارة التي فجرت واحداً من أعنف الصراعات الإعلامية والسياسية داخل التيار الأصولي الإيراني منذ سنوات.
هذا الخلاف، الذي انتقل من الغرف المغلقة إلى العلن في أبريل 2026، كشف عن شرخ عميق في بنية النظام حول استراتيجية “ما بعد الحرب” والتعامل مع الولايات المتحدة في ظل وقف إطلاق النار الهش.
شرارة الأزمة: “الحبوب السحرية” والمفاوضات
بدأت القصة حين أعادت وكالة “تسنيم”، المقربة من الحرس الثوري، نشر مقال بعنوان “بناء قوة الشعب في الشوارع/ ما الذي يكمن وراء المفاوضات مع أمريكا؟”.
المقال ألمح إلى أن المفاوضات ليست حلاً نهائياً، لكنه طرح شروطاً لإنهاء الحرب ورفع العقوبات ووقف إطلاق النار، وهي مطالب نُسبت لـ مجتبى خامنئي، المرشد الثالث لإيران.
سرعان ما تلقفت وكالة “راجا نيوز”، الذراع الإعلامي لـ جبهة “بايداري” (الصمود) والمتشددين المقربين من سعيد جليلي، هذا المقال لتشن هجوماً كاسحاً. اتهمت “راجا نيوز” وكالة “تسنيم” بتمهيد الطريق “غير المباشر” للعودة إلى أحضان المفاوضات مع واشنطن، والنأي بنفسها عن ثوابت “جبهة المقاومة”.
حرب التخوين: من “النهج الرجائي” إلى “الأسلوب الكشميري”
رد “تسنيم” جاء عنيفاً وغير مسبوق، حيث وصفت “راجا نيوز” بأنها “مجموعة صغيرة مريبة” تمارس “عمليات نفسية” لإحداث شرخ في الحركة الأصولية. وذهبت “تسنيم” أبعد من ذلك بوصف خصومها بأنهم يتبعون “طريق كشمير” (في إشارة إلى مسعود كشميري، المتورط في اغتيالات الثمانينات)، معتبرة أن “اغتيال الشخصية لا يقل شأناً عن الاغتيال الجسدي”.
هذا التصعيد يعكس صراعاً بين قطبين:
التيار البراغماتي بقيادة محمد باقر قاليباف الذي يرى ضرورة التفاوض من “موقع قوة” لإنقاذ الاقتصاد المنهار المنهك بالحصار والحرب.
التيار المتشدد جبهة الصمود وسعيد جليلي الذي يرى في أي تفاوض “خيانة لدماء الشهداء” واستسلاماً للعدو الصهيوني والأمريكي.
قاليباف في عين العاصفة: دبلوماسية تحت النار
يتولى محمد باقر قاليباف حالياً رئاسة فريق المفاوضات (بموافقة القيادة العليا)، وهو يحاول الجمع بين خلفيته العسكرية كقائد في الحرس الثوري وبين “الواقعية السياسية”.
ومع ذلك، يواجه قاليباف هجوماً مزدوجاً؛ ففي الشوارع، وُجهت له شتائم من أنصار النظام المتطرفين الذين اتهموه بـ “الدوس على دماء الشهداء”، بينما في البرلمان، يقود نواب مثل حامد راسائي ومحمود نابويان حملة تشكيك في شرعية مفاوضاته.
نابويان، عضو فريق التفاوض في إسلام آباد، وصف إدراج الملف النووي في المحادثات بـ “الخطأ الاستراتيجي”، مؤكداً أن هذا الإجراء منح العدو أملاً في سحب المواد النووية من إيران، وهو ما اعتبره “غير مقبول”.
شائعات الاستقالة وظل سعيد جليلي
وسط هذا الضجيج، انتشرت تقارير تزعم توبيخ قاليباف في طهران وإجباره على الاستقالة بسبب محاولته إدراج قضايا الطاقة النووية في جدول الأعمال، مع أنباء عن احتمال تولية سعيد جليلي مكانه. ورغم نفي القنوات الرسمية لهذه الأنباء، إلا أن مجرد تداولها يعكس حجم الضغط الذي يمارسه المتشددون لإزاحة قاليباف.
دافع المتحدث باسم الخارجية عن قاليباف، واصفاً اختياره بـ “الذكي” نظراً لتاريخه في “الدفاع المقدس”، وهي محاولة واضحة من مركز القرار في طهران لاستخدام “الشرعية الثورية” لإقناع المتطرفين بجدوى المفاوضات.
فجوة الهيكل وغياب التوافق الوطني
يرى محللون أن المشكلة الحقيقية ليست في الأشخاص، بل في “هيكل صنع السياسة”. وكما أشار الناشط الإعلامي محمد محمودي، فإن إيران “تتفاوض بجناح واحد” وسط غياب تام للتوافق الوطني حول إنهاء الحرب أو استمرارها.
بينما يصر الإصلاحيون على أن الدبلوماسية هي “أسمى تجليات الحكم الحديث”، يرى المتشددون مثل علي خزريان أن “الحرب حتمية” ويطالبون بوقف أي تبادل للرسائل مع واشنطن، حتى عبر الصحفيين.
نظام يواجه نفسه
إن الصراع بين “تسنيم” و”راجا نيوز” ليس مجرد جدل إعلامي، بل هو انعكاس لأزمة وجودية يعيشها النظام الإيراني في أبريل 2026.
فبينما يضغط الواقع الاقتصادي المرير (التضخم، تلوث الهواء، وأزمات المعيشة في خوزستان وبوشهر) نحو تسوية دبلوماسية، ترفض “جبهة الصمود” أي تنازل قد يُفسر على أنه فشل لاستراتيجية المقاومة.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال: هل يستطيع قاليباف الحفاظ على تحالفه الهش بين “الدبلوماسية والميدان”، أم أن “رياح المتشددين” ستقتلع جهود التفاوض وتعيد إيران إلى مربع المواجهة الشاملة؟ الأيام القادمة في جولات المفاوضات غير المباشرة عبر عُمان وباكستان ستحمل الإجابة النهائية.










