تحقيقات تكشف ارتباطات عابرة للحدود، واتهامات بتقاعس أمني أمام تصاعد استهداف الإيرانيين في الخارج
لندن – المنشر الإخبارى
في تطور خطير يعكس تصاعد التوترات السياسية والأمنية داخل المملكة المتحدة، تحولت مظاهرة سلمية مناهضة للحرب إلى حادثة عنف دامية، بعد تعرض متظاهر إيراني للطعن خارج مقر رئاسة الوزراء البريطانية في شارع داونينغ، في واقعة أعادت فتح ملفات حساسة تتعلق بالأمن الداخلي، والتطرف السياسي، وعلاقة بعض الشبكات العابرة للحدود بالنشاط العنيف داخل أوروبا.
الحادثة، التي وقعت في 22 أبريل 2026، لم تكن مجرد اعتداء فردي عابر، بل جاءت – وفق ما تشير إليه التحقيقات والشهادات – ضمن سياق أوسع من الاستقطاب السياسي الحاد، وضمن نمط متكرر من الاحتكاكات بين مجموعات إيرانية متعارضة في الخارج، خاصة في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط.
لحظة التحول من احتجاج سلمي إلى عنف دموي
في ذلك المساء، كان محمد رضا، وهو أب لطفلين، يشارك في تظاهرة سلمية نظمها تحالف “Hands Off Iran Coalition” أمام مقر الحكومة البريطانية، بهدف التعبير عن رفض الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران.
التظاهرة، التي ضمت عائلات وأطفالًا، جرت بإخطار رسمي للشرطة، وكان من المفترض أن تكون نموذجًا للممارسة الديمقراطية في التعبير عن الرأي.
لكن المشهد انقلب بشكل مفاجئ، عندما اندلعت مواجهة بين المشاركين في التظاهرة ومجموعة من المتظاهرين المضادين، الذين حملوا رموزًا ملكية إيرانية وأعلامًا إسرائيلية.
وخلال دقائق، تحولت المشادات اللفظية إلى اعتداء جسدي، حيث أقدم شخصان على طعن محمد رضا بسلاح أبيض، ما أدى إلى إصابته بجروح خطيرة.
اتهامات بتقصير أمني واضح
أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في الحادثة لم يكن فقط وقوع الاعتداء، بل طريقة تعامل الشرطة البريطانية معه.
فبحسب شهود عيان، سمحت السلطات بحدوث احتكاك مباشر بين المجموعتين دون اتخاذ إجراءات وقائية فعالة، مثل الفصل بينهما أو احتواء التصعيد.
الشهادات تشير إلى أن المتظاهرين المضادين تمكنوا من عبور الطريق بسهولة، والاقتراب من المتظاهرين السلميين، بل وتهديدهم علنًا، دون تدخل حاسم من قوات الأمن.
وهو ما يطرح تساؤلات حادة حول معايير التعامل الأمني مع التظاهرات، ومدى الحياد في تطبيق القانون.
خلفية المهاجم… نمط متكرر من التحريض
التحقيقات التي أعقبت الحادثة كشفت أن المتهم الرئيسي، وحيد نادفار، لم يكن شخصية عشوائية.
بل أظهرت مراجعة حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي تاريخًا واضحًا من التحريض، يتضمن دعوات للعنف وخطابًا معاديًا للمسلمين، إضافة إلى محتوى سياسي متطرف.
كما تبين أنه سبق له تنفيذ أعمال استفزازية، مثل اقتحام القنصلية الإيرانية في لندن وإنزال علمها، وهي حادثة وثقها بنفسه ونشرها على الإنترنت.
هذا السلوك المتكرر يثير تساؤلات حول كيفية دخوله البلاد واستمراره فيها دون رصد مبكر أو تدخل استباقي من الجهات الأمنية.
شبكة علاقات تتجاوز الفرد
الأمر لم يتوقف عند حدود الفاعل الفردي، إذ كشفت التحقيقات عن ارتباطات أوسع مع شخصيات معروفة بنشاطها السياسي الاستفزازي، من بينها أفراد لهم سجل من المواجهات مع متظاهرين مؤيدين لفلسطين أو معارضين للحرب.
هذه العلاقات، المدعومة بصور ومنشورات مشتركة، تشير إلى وجود شبكة غير رسمية من الناشطين الذين يتبنون خطابًا متشددًا، ويشاركون في أنشطة ميدانية تتسم بالتصعيد والعنف.
تصاعد نمط العنف السياسي في الغرب
حادثة لندن لا تبدو معزولة، بل تأتي ضمن سلسلة من الوقائع التي شهدتها عدة دول غربية خلال الأشهر الماضية.
تقارير متعددة تشير إلى حوادث قتل واعتداءات مرتبطة بخلافات سياسية داخل الجاليات الإيرانية في الخارج، خاصة بين مؤيدي النظام الإيراني ومعارضيه.
في ألمانيا، على سبيل المثال، قُتل رجل أعمال أفغاني في واقعة مرتبطة بخلاف حول رموز سياسية، بينما شهدت كندا حوادث قتل غامضة طالت نشطاء من أصول إيرانية.
هذا النمط يشير إلى انتقال الصراعات السياسية الداخلية إلى الساحات الدولية، حيث تتحول الخلافات الأيديولوجية إلى مواجهات مباشرة.
ازدواجية المعايير في التعامل الأمني
واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل هي ما وصفه ناشطون بازدواجية المعايير في تعامل السلطات البريطانية.
فبينما تُفرض إجراءات صارمة على بعض التظاهرات، خاصة المؤيدة لفلسطين، يُنظر إلى تعامل الشرطة مع حوادث أخرى – مثل حادثة الطعن – باعتباره أقل حزمًا.
هذا التباين في التطبيق يثير مخاوف بشأن حيادية المؤسسات الأمنية، ويغذي شعورًا بعدم المساواة في الحماية القانونية.
أبعاد سياسية وأمنية أوسع
الحادثة تسلط الضوء أيضًا على تحديات أعمق تواجه الدول الأوروبية، تتعلق بكيفية إدارة التعددية السياسية داخل مجتمعاتها، خاصة في ظل وجود جاليات كبيرة تحمل معها صراعات بلدانها الأصلية.
كما تطرح أسئلة حول دور الشبكات العابرة للحدود، وتأثيرها على الأمن الداخلي، ومدى قدرة الأنظمة القانونية على التعامل مع هذا النوع من التهديدات المركبة.
تداعيات إنسانية مباشرة
بعيدًا عن التحليلات السياسية، يبقى الجانب الإنساني حاضرًا بقوة.
فمحمد رضا، الذي تعرض للطعن، لم يكن سوى مشارك في احتجاج سلمي، ومع ذلك وجد نفسه ضحية لعنف مفاجئ.
الأمر لم يتوقف عند إصابته، بل امتد إلى أسرته، حيث تعرضت حياته الخاصة للاختراق بعد نشر عنوانه على الإنترنت، ما دفع أصدقاءه لإطلاق حملة دعم لنقله إلى مكان آمن.
تكشف حادثة داونينغ ستريت عن واقع معقد، تتداخل فيه السياسة بالأمن، والمحلي بالدولي، والفردي بالجماعي.
فما حدث لم يكن مجرد جريمة، بل مؤشر على تحولات أعمق في طبيعة الصراعات السياسية، التي لم تعد محصورة داخل حدود الدول، بل باتت عابرة للقارات.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تقييم السياسات الأمنية، وتعزيز آليات الحماية، وضمان تطبيق القانون بشكل متساوٍ، قبل أن تتحول مثل هذه الحوادث إلى ظاهرة يصعب احتواؤها.










