الذكاء الاصطناعي يدخل قلب القرار العسكري ويحوّل زمن الحروب من أيام إلى دقائق
لندن – المنشر الإخبارى
في تحول يعكس ملامح الجيل الجديد من الحروب، كشفت تقارير إعلامية عن الدور الحاسم الذي لعبته وحدة الذكاء الاصطناعي “Matzpen” التابعة للجيش الإسرائيلي خلال المواجهة الأخيرة مع إيران، في خطوة تؤكد أن المعارك لم تعد تُحسم فقط بالقوة النارية، بل بسرعة معالجة البيانات واتخاذ القرار.
ووفق ما نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست”، فإن الوحدة التي تعتمد على دمج تقنيات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، نجحت في إحداث نقلة نوعية في أداء سلاح الجو الإسرائيلي، عبر نظام متطور يُعرف باسم “لوخيم” (Lokhem)، تولى التخطيط الكامل للهجمات الجوية بالتنسيق مع وحدات متخصصة في الملف الإيراني.
وأكد العقيد روتيم بيشي، قائد الوحدة، أن التكنولوجيا المستخدمة لم تقتصر على تحسين كفاءة العمليات، بل ساهمت في تقليص زمن اتخاذ القرار بشكل غير مسبوق. فالمهام التي كانت تستغرق أيامًا من التحليل والتخطيط، أصبحت تُنجز خلال ساعات، بل دقائق في بعض الحالات الحرجة، ما منح الجيش الإسرائيلي قدرة أكبر على التحرك السريع والتكيف مع المتغيرات الميدانية.
ويعكس هذا التطور تحولًا أعمق في طبيعة الحروب الحديثة، حيث أصبحت سرعة الوصول إلى المعلومة وتحليلها عاملًا حاسمًا في تحقيق التفوق العسكري. فبدلاً من الاعتماد على التقديرات التقليدية، باتت الأنظمة الذكية تقدم سيناريوهات جاهزة للقيادة، مدعومة ببيانات آنية وتحليلات دقيقة.
وفي السياق ذاته، أشار تقرير بثته “يورونيوز” إلى أن هذه التطبيقات الرقمية ساهمت في تسريع غير مسبوق لعمليات صنع القرار داخل المؤسسة العسكرية، ما غيّر من طبيعة العمليات القتالية، وجعلها أكثر مرونة ودقة في التنفيذ.
وتندرج وحدة “Matzpen” ضمن قيادة الاتصالات والدفاع السيبراني في الجيش الإسرائيلي، وهي قيادة حديثة تم الإعلان عنها في ديسمبر الماضي بقيادة اللواء أفيعاد داغان، في إطار توجه أوسع لتعزيز القدرات الرقمية والعسكرية في آن واحد.
ولا يقتصر دور الوحدة على العمليات الحالية، إذ تعمل على تطوير عشرات التطبيقات العسكرية بالتوازي، بهدف تحسين واجهات الاستخدام للقادة الميدانيين، وتسهيل تدفق المعلومات بين مختلف مستويات القيادة. هذا التطوير المستمر يعزز من قدرة الجيش على اتخاذ قرارات أكثر دقة في وقت أقل، وهو ما يمثل جوهر التحول نحو “الحرب الذكية”.
ويرى مراقبون أن هذا النموذج يعكس بداية مرحلة جديدة من الصراعات، حيث تتراجع أهمية التفوق العددي لصالح التفوق التكنولوجي، وتصبح الخوارزميات لاعبًا رئيسيًا في تحديد مسار المعارك.
في المقابل، يثير هذا التحول تساؤلات حول مخاطر الاعتماد المتزايد على الأنظمة الآلية، خاصة في ظل احتمالات الخطأ أو سوء التقدير، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب في بيئات شديدة التوتر.
ومع ذلك، يبدو أن الاتجاه نحو دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية بات خيارًا استراتيجيًا لا رجعة فيه، في ظل سعي الدول إلى تحقيق أقصى قدر من الكفاءة والسرعة في إدارة الصراعات.
وفي ضوء هذه التطورات، لم تعد ساحة المعركة تقتصر على الأرض أو الجو، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث تُدار العمليات عبر شاشات وأنظمة معقدة، وتُتخذ القرارات في أجزاء من الثانية، في مشهد يلخص عنوان المرحلة: حروب تُحسم بالخوارزميات قبل أن تبدأ بالرصاص.










