تسريبات تكشف ثغرات أمنية عميقة داخل واحدة من أبرز المؤسسات الاستراتيجية في تل أبيب
طهران – المنشر الإخبارى
في تطور لافت يعكس حجم الحرب السيبرانية الدائرة في الشرق الأوسط، كشفت مجموعة قراصنة تُطلق على نفسها اسم “حنضلة” تفاصيل غير مسبوقة حول عملية اختراق طويلة الأمد استهدفت معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أحد أبرز مراكز التفكير الأمني في إسرائيل والمعني بصياغة الرؤى الاستراتيجية المرتبطة بالأمن القومي.
ووفق بيان صادر عن المجموعة، فإن العملية لم تكن هجومًا عابرًا أو محاولة اختراق محدودة، بل حملة منظمة امتدت لسنوات، نجحت خلالها في الوصول إلى مئات الآلاف من الملفات المصنفة “سرية”، ما يثير تساؤلات خطيرة حول كفاءة منظومة الأمن السيبراني داخل إحدى أهم المؤسسات البحثية المرتبطة بصنع القرار في تل أبيب.
اختراق يبدأ من الداخل
بحسب ما أعلنته المجموعة، فإن نقطة التحول الكبرى في العملية وقعت في 22 أبريل 2025، حين تمكن عنصران من اختراق الطابق السفلي للمؤسسة، حيث تُحفظ أكثر الوثائق حساسية. ووصفت “حنضلة” تلك اللحظة بأنها “فتح كامل للأبواب”، في إشارة إلى انهيار فعلي للطبقات الأمنية التي يفترض أنها تحمي بيانات بالغة الحساسية.
وأكد القراصنة أن الوصول لم يكن نتيجة ثغرة واحدة، بل نتيجة تخطيط طويل الأمد جمع بين الاختراق الرقمي والتتبع الميداني، ما يعكس مستوى متقدمًا من التنظيم والقدرة التشغيلية.
اجتماعات سرية عبر منصة مخترقة
من أبرز ما كشفته التسريبات أن اجتماعات مغلقة رفيعة المستوى داخل المعهد كانت تُعقد عبر منصة “زوم”، والتي قالت المجموعة إنها تمكنت من اختراقها بسهولة.
وإذا صحت هذه الادعاءات، فإن ذلك يعني أن نقاشات حساسة تتعلق بالأمن القومي الإسرائيلي، بما في ذلك التقديرات الاستراتيجية والتحركات الاستخباراتية، كانت عرضة للتسريب والمراقبة المباشرة.
أسماء بارزة في دائرة التسريب
التسريبات لم تقتصر على البنية التقنية، بل طالت حسابات عدد من الشخصيات البارزة داخل المعهد، من بينهم الباحث راز زيمت، ورئيس الاستخبارات العسكرية السابق تمير هايمان، إضافة إلى الباحثة البارزة سيما شاين.
كما شملت البيانات المسربة معلومات تخص مسؤولين عن الشراكات الدولية والإدارة المالية، ما يعكس اتساع نطاق الاختراق داخل المؤسسة البحثية.
400 ألف ملف في متناول القراصنة
تزعم مجموعة “حنضلة” أنها حصلت على أكثر من 400 ألف ملف، تضمنت كلمات مرور لأنظمة المراقبة الداخلية، وشبكات الاتصال، وحسابات خاصة بالاجتماعات المغلقة.
وتشير هذه الكمية من البيانات، في حال تأكيدها، إلى اختراق واسع النطاق يمكن أن يشكل مصدر تهديد أمني بالغ الخطورة لأي مؤسسة سيادية.
ولم تكتف المجموعة بذلك، بل سخرت من المؤسسة ودعتها إلى “تغيير أنظمة كاميرات المراقبة”، في إشارة إلى اختراق حتى البنية الأمنية المادية.
انتقال الاختراق إلى الواقع
التطور الأخطر يتمثل في انتقال التهديد من الفضاء الرقمي إلى الواقع الفعلي، حيث كشفت تسريبات داخلية عن حالة استنفار بعد ورود معلومات من جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي تفيد بوجود مراقبة فعلية لأحد موظفي المعهد ضمن قائمة استهداف محتملة.
وأظهرت الرسائل الداخلية حالة ارتباك داخل المؤسسة، إذ ظن بعض الموظفين أنهم أهداف مباشرة، قبل أن يتضح أن موظفة أخرى كانت تحت المراقبة، ما يعكس حالة من القلق والانكشاف الأمني داخل المعهد.
تحذيرات أمنية لم تُؤخذ بجدية
قبل ذلك، كانت شركة فوليكسيتي المتخصصة في الأمن السيبراني قد حذرت من اختراق حساب بريد إلكتروني لأحد الباحثين، واستخدامه في عمليات تصيد إلكتروني استهدفت مؤسسات بحثية في الولايات المتحدة.
ورغم اتخاذ إجراءات احترازية مثل فصل الأجهزة المرتبطة بالحساب المخترق، إلا أن التسريبات تشير إلى أن تلك الخطوات جاءت متأخرة، بعدما تمكن المهاجمون من ترسيخ وجودهم داخل الشبكة.
دلالات تتجاوز الاختراق
القضية تتجاوز كونها عملية قرصنة تقليدية، لتفتح نقاشًا أوسع حول هشاشة البنية الأمنية داخل المؤسسات البحثية الحساسة، خصوصًا مع الاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقمية في إدارة المعلومات الاستراتيجية.
كما تعكس الواقعة تحولًا في طبيعة الصراع الإقليمي، حيث لم تعد المواجهات محصورة في الجبهات العسكرية، بل امتدت إلى الفضاء السيبراني الذي أصبح ساحة مفتوحة لتبادل الاختراقات والهجمات.
حرب معلومات بلا حدود
ما تكشفه هذه الحادثة يؤكد أن مراكز الفكر الاستراتيجي، التي تُعد بمثابة العقل التحليلي للدولة، أصبحت أهدافًا رئيسية في الحروب الحديثة، وأن اختراقها لا يعني فقط تسريب بيانات، بل التأثير على صناعة القرار نفسه.
وفي ظل غياب تأكيد رسمي من الجانب الإسرائيلي بشأن حجم الاختراق، تبقى الرواية مفتوحة بين احتمال تضخيم إعلامي أو وجود أزمة أمنية حقيقية.
لكن الثابت أن هذه الواقعة تعيد تشكيل مشهد الصراع في المنطقة، حيث لم يعد السؤال يتعلق بالقوة العسكرية فقط، بل بقدرة الأطراف على امتلاك المعلومة والتحكم فيها.










