سياسيون نرويجيون يواجهون شكوى جنائية بتهمة التواطؤ في إبادة غزة
أوسلو – المنشر الإخبارى
في تطور قانوني وسياسي لافت، تم تقديم شكوى جنائية ضد عدد من أبرز السياسيين في النرويج، من بينهم رئيس الوزراء يوناس غار ستوره، على خلفية اتهامات تتعلق بالتواطؤ في العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، والتي تصفها جهات حقوقية بأنها ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
وتشير الشكوى إلى أن المسؤولين النرويجيين انتهكوا القانون الوطني الذي يدمج أحكام نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والمتعلق بجرائم الإبادة وجرائم الحرب، وذلك من خلال قرارات استثمارية داخل صندوق التقاعد الحكومي العالمي، بما يشمل حصصًا في شركات دفاعية يُقال إنها تساهم في توريد معدات عسكرية إلى إسرائيل.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام دولية، فقد جاءت هذه الخطوة بمبادرة من مجموعة “جدات ضد الإبادة”، وهي منظمة حقوقية ناشطة، في ظل تصاعد الغضب الشعبي والحقوقي تجاه الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، حيث تشير تقديرات إلى مقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني منذ أكتوبر 2023.
توسع في التحقيقات وتوصية بفتح ملف جنائي
وبحسب مراسلات قانونية تم الاطلاع عليها، فقد أوصت النيابة العامة النرويجية رسميًا بفتح تحقيق من قبل وحدة التحقيقات الجنائية الوطنية، في تراجع عن قرار سابق كان يقضي بحفظ القضية وعدم المضي فيها.
ويُنظر إلى هذه التوصية باعتبارها تطورًا مهمًا قد يفتح الباب أمام مساءلة سياسية وقانونية غير مسبوقة داخل النرويج، خاصة مع اتساع دائرة الاتهامات لتشمل شخصيات بارزة في الدولة.
أسماء سياسية واقتصادية بارزة ضمن الاتهام
الشكوى لم تقتصر على رئيس الوزراء، بل شملت أيضًا شخصيات سياسية واقتصادية بارزة، من بينها ينس ستولتنبرغ، الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ووزير الخارجية الحالي إسبن بارث إيدي.
كما طالت الاتهامات كلًا من نيكولاي تانجن، الرئيس التنفيذي لصندوق التقاعد الحكومي العالمي، وإيدا وولدن باتشي، محافظة البنك المركزي النرويجي.
وتستند الشكوى إلى أن هذه الجهات كانت على علم بطبيعة الاستثمارات في شركات يُشتبه في ارتباطها بأنشطة عسكرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكنها استمرت في دعمها عبر أدوات مالية حكومية.
صندوق الثروة السيادي تحت المجهر
يُعد صندوق التقاعد الحكومي العالمي النرويجي أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، حيث تتجاوز أصوله 2.2 تريليون دولار.
وخلال عام 2025، قام الصندوق بسحب استثماراته من 35 شركة إسرائيلية، مستندًا إلى ما وصفه بانتهاكات للسياسات الأخلاقية للاستثمار. إلا أنه لا يزال يحتفظ بحصص في 29 شركة أخرى، وهو ما أثار انتقادات داخلية وخارجية، بما في ذلك من مسؤولين في الولايات المتحدة.
وكانت هذه الانتقادات قد تصاعدت في سبتمبر 2025، بعد أن أعرب مسؤولون أمريكيون عن قلقهم من قرارات التخارج الجزئي، معتبرين أنها قد تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز المعايير الاقتصادية.
رفض برلماني لمقترحات الانسحاب الكامل
وفي يونيو الماضي، رفض البرلمان النرويجي مقترحًا يدعو إلى سحب شامل لاستثمارات الصندوق من أي شركات يُشتبه في ارتباطها بجرائم حرب، وذلك بسبب معارضة حزب العمال الحاكم.
ويعكس هذا الرفض الانقسام السياسي داخل النرويج بشأن كيفية التعامل مع ملف الاستثمارات في مناطق النزاع، خصوصًا في ظل تصاعد التوتر في الشرق الأوسط.
تحذيرات أممية ومخاوف قانونية
في السياق نفسه، حذرت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، من أن استمرار الاستثمارات في شركات مرتبطة بالنزاع قد يضع الدول أمام مسؤوليات قانونية دولية محتملة.
وأكدت أن غياب الوضوح في سياسات الاستثمار الأخلاقي قد يؤدي إلى انتهاكات غير مباشرة للقانون الدولي الإنساني.
خبراء قانون: المسؤولية قد تكون غير مباشرة
من جانبه، أوضح أستاذ القانون في جامعة بيرغن، تيريه إينارسن، أن القادة السياسيين ربما كانوا على دراية بطبيعة الأنشطة المرتبطة ببعض الشركات التي يستثمر فيها الصندوق السيادي.
لكنه أشار إلى أن القانون الدولي لا يشترط وجود نية مباشرة للمشاركة في الجرائم، بل يكفي في بعض الحالات وجود مساهمة غير مباشرة أو تسهيل مالي أو إداري.
دعم بحثي للاتهامات
وفي إطار دعم الشكوى، تم تقديم تقرير أكاديمي من 118 صفحة أعدته مجموعة “مؤرخون من أجل فلسطين”، يوثق استثمارات الصندوق في شركات يُشتبه في ارتباطها بانتهاكات للقانون الدولي.
وقد تم إدراج التقرير كجزء من الأدلة المقدمة للنيابة العامة، في محاولة لتعزيز الأساس القانوني للاتهامات.
تداعيات سياسية وقانونية محتملة
يرى مراقبون أن هذه القضية، في حال استمرار التحقيقات، قد تمثل سابقة قانونية في أوروبا، خاصة فيما يتعلق بمسؤولية الدول عن استثماراتها السيادية في مناطق النزاع.
كما قد تؤدي إلى إعادة صياغة سياسات الاستثمار الأخلاقي في عدد من الدول الأوروبية، وسط تصاعد الضغوط الحقوقية المرتبطة بالحرب في غزة.
وفي الوقت الذي لم يصدر فيه تعليق رسمي شامل من الحكومة النرويجية بشأن تطورات الشكوى، يبقى الملف مفتوحًا على احتمالات قانونية وسياسية واسعة، قد تمتد تداعياتها إلى خارج حدود النرويج.










