لم تعد الكويت مجرد دولة خليجية تحاول الحفاظ على سياسة الحياد في خضم عاصفة إقليمية متلاطمة الأمواج، فمنذ مطلع عام 2026، تحولت إلى ساحة مواجهة مكشوفة، تتقاطع فيها خيوط مؤامرات ممنهجة تضرب في الوقت ذاته من الداخل ومن الخارج، كاشفة عن منظومة تخريب متكاملة تديرها طهران بأيد متعددة، أبرزها الحرس الثوري الإيراني وذراعه الإقليمي حزب الله اللبناني.
الخلايا النائمة تستيقظ: ثلاثة ضربات في أسابيع
الصورة باتت واضحة لا تقبل التأويل، فخلال شهر مارس 2026 وحده، نجحت الأجهزة الأمنية الكويتية في تفكيك ثلاث خلايا إرهابية مرتبطة بحزب الله، في تسلسل متسارع كشف حجم التغلغل الإيراني داخل النسيج الكويتي.
احتلال بوبيان.. الكويت تكشف تفاصيل اعتقال 4 ضباط في الحرس الثوري
الضربة الأولى جاءت في الأسبوع الثاني من مارس، حين أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية العميد ناصر بوصليب أن الأجهزة الأمنية تمكنت من كشف وضبط جماعة إرهابية تنتمي إلى منظمة حزب الله المحظورة، وأن التحريات كشفت عن مخطط تخريبي منظم كان يستهدف المساس بسيادة الكويت وزعزعة استقرارها ونشر الفوضى. وقد ضمت هذه الخلية 14 مواطنا كويتيا واثنين من الجنسية اللبنانية.
لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك. الضربة الثانية تمثلت في إحباط مخطط إرهابي كان يستهدف منشآت حيوية داخل البلاد، إذ كشفت التحقيقات أن عناصر هذه الخلية، وعددهم عشرة مواطنين، تلقوا تدريبات خارجية في معسكرات تابعة للتنظيم الإرهابي، شملت استخدام الأسلحة والتعامل مع الطائرات المسيرة، في إطار الإعداد لتنفيذ عمليات تخريبية تهدف إلى بث الخوف والرعب.
بعد استهداف مطار الكويت 2026.. تفاصيل “ليلة الرعب” في سماء الكويت
أما الثالثة فكانت الأشد خطورة على الإطلاق. أعلنت وزارة الداخلية الكويتية تفكيك خلية إرهابية ثالثة تضم 20 شخصا مرتبطة بحزب الله، خططت لاغتيال رموز وقيادات في الدولة، وتلقى عناصرها تدريبات خارجية متقدمة.
وكشفت التحقيقات أن المتهمين أقروا باستعدادهم لتنفيذ ما يسند إليهم من مهام تستهدف اغتيال قيادات الدولة والإضرار بالمصالح العليا للبلاد، وأنهم تلقوا تدريبات عسكرية متقدمة شملت استخدام الأسلحة والمفرقعات وأساليب المراقبة إضافة إلى مهارات الاغتيال.
المشهد الأعمق: شبكة قيادة وتمويل وتجنيد
لفهم حجم هذه المنظومة، لا يكفي النظر إلى هذه الخلايا بمعزل عن بعضها؛ ما تفككه الكويت من شبكات مرتبطة بحزب الله والنظام الإيراني لا يمكن قراءته إلا كنموذج صارخ للإرهاب العابر للحدود، الذي بات يدار بعقلية عملياتية دقيقة تتجاوز الجغرافيا والسيادة، إذ تمضي إيران في توظيف أذرعها لتنفيذ أجنداتها في مواجهة مباشرة، مستفيدة من خلايا نائمة وشبكات مفعلة تحرك وفق توقيت سياسي وأمني محسوب بعناية.
الحرس الثوري يعلن استهداف مركز تدريب ومستودع عسكري في العديرى بالكويت
والخلايا المفككة لم تكن حكرا على الكويت وحدها. وفق رصد موسع، فإن عدد الخلايا والتنظيمات السرية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني التي فككتها كل من البحرين والكويت وقطر والإمارات بلغ ثماني خلايا.
وقد واجهت هذه الخلايا اتهامات لا تقتصر على التجسس وجمع المعلومات عن منشآت حيوية وعسكرية، بل امتدت إلى غسل الأموال وتمويل أنشطة مرتبطة بالإرهاب، وإعداد مخططات إرهابية ورصد إحداثيات مواقع حساسة، بل وامتلاك أسلحة ومعدات اتصال مشفرة والتخطيط لأعمال تخريبية باستخدام طائرات مسيرة.
تسلل بوبيان: الحرس الثوري بالزي العسكري
في أول مايو 2026، انتقل المشهد من غرف الاستخبارات إلى الشواطئ الكويتية بشكل مباشر. كشفت وزارة الداخلية أن ضباطا من الحرس الثوري الإيراني برتب رفيعة تسللوا إلى جزيرة بوبيان على متن قارب صيد مستأجر كغطاء، وكلفوا بتنفيذ أعمال عدائية وتخريبية داخل الأراضي الكويتية.
حقل الدرة: قائد بالحرس الثوري يهدد الكويت ويؤكد على حق إيران في غاز آرش
وأسفرت المواجهة المسلحة التي نشبت عن إصابة أحد منتسبي القوات المسلحة، مما يعني أن إيران انتقلت من العمليات الخفية إلى التدخل العسكري المباشر في السيادة الكويتية.
حرب الصواريخ والمسيرات: القصف المفتوح
على الجانب الميداني الصريح، لم تكتف طهران بالعمليات الاستخباراتية. أعلن المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع الكويتية أن القوات المسلحة الكويتية تصدت منذ فجر السادس من مارس 2026 لموجة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة المعادية القادمة من إيران، وأنها اعترضت ودمرت 12 طائرة مسيرة في شمال ووسط البلاد و14 صاروخا في جنوب البلاد.
وتكشف الأضرار عن مدى التخطيط الإيراني المسبق لاستهداف البنية التحتية الكويتية، أعلنت وزارة الكهرباء الكويتية أن حطام الطائرات الإيرانية أدى إلى تعطل ستة خطوط كهرباء، كما استهدفت قاعدة علي السالم الجوية بهجوم صاروخي وطائرة مسيرة. بل إن طفلة كويتية تبلغ من العمر 11 عاما لقيت حتفها جراء إصاباتها الناتجة عن شظايا إيرانية.
إحباط عملية إرهابية في الكويت وتفكيك خلية دربها “حزب الله” على الدرونز
الذراع الإعلامي: حملة التبرير الإيرانية
لم تكتف طهران بالعمليات الميدانية، بل سعت إلى تأطير مواقفها إعلاميا. نشرت وكالة “تسنيم” التابعة للحرس الثوري الإيراني تقريرا مليئا بالاتهامات غير الموثقة بعنوان “نظرة أكثر دقة إلى حجم مشاركة الكويت في العدوان على إيران”، زاعمة أن ما وصفها بـ”الحقائق” يثبت أن الكويت لم تلتزم بالحياد المعلن، في ادعاء لا يستند إلى أي أدلة ملموسة.
وفي السياق ذاته، وجه الحرس الثوري والقوات الجوفضائية الإيرانية رسائل تحذيرية شديدة اللهجة إلى دول المنطقة والقوات الأجنبية المتواجدة فيها، مؤكدين أن أي خطأ في الحسابات سيقابل برد حاسم وفوري، وأن زمام المبادرة الميدانية لا يزال بيد طهران.
المنظومة المتكاملة: من تمويل الخلايا إلى التسلل العسكري
ما يجعل المشهد الكويتي استثنائيا هو تكامل الأدوات الإيرانية المستخدمة؛ فقد سبق لوزارة الداخلية الكويتية إعلان توقيف 24 شخصا بينهم برلمانيون سابقون بتهمة تمويل كيانات إرهابية، كانوا يستخدمون مسميات دينية وخيرية لتمرير الأموال جوا وبرا. وقد جاءت خلايا حزب الله لاحقا لتشكل الذراع التنفيذية لتلك الشبكات، في تسلسل عملياتي يوحي بتنسيق مركزي من طهران.
صعد حزب الله اللبناني من أنشطته في عدة دول بالتزامن مع الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وأعلنت كل من الإمارات والكويت عن تفكيك خلايا إرهابية تابعة للحزب خططت لاستهداف أمن واستقرار المنطقة.
الكويت ترد: الاستنفار الشامل
في مواجهة هذا الاختراق الممنهج، أعلنت وزارة الداخلية الكويتية أن جميع قطاعاتها في حالة استنفار قصوى بالتنسيق مع القوات المسلحة وجهاز أمن الدولة، مؤكدة أن الكويت لن تكون ساحة مستباحة للمخططات الخارجية. وتواصل الأجهزة الأمنية ملاحقة عشرات المتهمين الفارين خارج البلاد بالتنسيق مع الجهات الدولية المعنية.
إن ما تشهده الكويت في 2026 ليس مجرد تهديدات أمنية عابرة، بل هو اختبار وجودي لنموذج الدولة الخليجية الصغيرة الحيادية في عالم تتصادم فيه المحاور الكبرى. والمشهد اليوم يؤكد أن الأمل في البقاء بعيدا عن دوامة الحرب بات مرهونا أولا وأخيرا بمتانة الجبهة الداخلية، وقدرة الأجهزة الأمنية على اقتلاع جذور التغلغل الإيراني قبل أن يتحول من خلايا نائمة إلى حرائق مشتعلة.











