حسم مجلس الوزراء المصري، اليوم ، جدوى ملء منخفض القطارة بمياه البحر الأبيض المتوسط، وهو م المشروع الذي اثار الجدل في الشارع المصري.
ونشر المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، سلسلة من “الإنفوجرافات” التوضيحية عبر منصاته الرسمية، استعرضت تقييماً شاملاً لمشروع ملء منخفض القطارة بمياه البحر المتوسط في الوقت الراهن.
الدراسة والقرار: رؤية علمية لمستقبل التنمية
وأكد مجلس الوزراء المصريأن التنمية المستدامة لا تقوم على مجرد أفكار طموحة، بل على أسس علمية مدروسة بعناية. وفي هذا السياق، كشفت الإنفوجرافات عن تشكيل لجنة وزارية متخصصة بموجب القرار رقم 3433 لسنة 2016، كُلفت بمهمة محددة وهي تقييم كافة السيناريوهات المحتملة لتنمية منطقة منخفض القطارة.
وبعد سنوات من الأبحاث الجيولوجية والبيئية والاقتصادية بالتعاون مع الجهات المعنية، قدمت اللجنة 5 سيناريوهات مختلفة للتنمية، وانتهت بقرار قاطع يرفض فكرة ملء المنخفض بمياه البحر المتوسط، مؤكدة عدم جدوى السيناريوهات الأول والثاني والثالث والخامس، مع ترجيح “السيناريو الرابع” الذي يقر بعدم استخدام المنخفض كخزان للمياه، وذلك لحماية الثروات الطبيعية الكامنة في باطن هذه المنطقة الحيوية.
استعراض السيناريوهات: لماذا رُفضت فكرة “البحيرة الصناعية”؟
تناولت الإنفوجرافات بالتفصيل المسارات التي درستها اللجنة الوزارية، والتي أظهرت تبايناً في الرؤى التنموية قبل الوصول للقرار النهائي:
السيناريو الأول: اعتمد على استغلال المنخفض بالكامل لتخزين مياه البحر وتوليد الطاقة الكهرومائية، مع تنمية المناطق المحيطة عبر المياه الجوفية.
السيناريو الثاني: اقترح ملء جزء فقط من المنخفض واستخدام الطاقة المولدة لتحلية المياه واستخدامها في الزراعة.
السيناريو الثالث: تضمن ملء جزء من المنخفض وتوليد الكهرباء ثم تحلية المياه وتخزينها، مع إعادة الفائض للبحر.
السيناريو الخامس: اعتمد على فكرة تقنية تستغل فرق المنسوب عند حافة المنخفض لضخ مياه البحر عبر مواسير مباشرة للتحلية واستغلال الأملاح الناتجة صناعياً.
القرار النهائي: رجحت اللجنة السيناريو الرابع، وهو المسار الذي يتجنب تحويل المنخفض إلى بحيرة ملحية، نظراً لما يحمله ملء المنخفض من مخاطر بيئية واقتصادية فادحة تتجاوز بكثير المكاسب المتوقعة من توليد الكهرباء.
المخاطر البيئية: تهديد مباشر لواحة سيوة والمياه الجوفية
أبرزت دراسة الدولة مخاطر بيئية كارثية كان سيسببها ملء المنخفض بمياه البحر، وتصدر هذه المخاطر تسرب المياه المالحة إلى باطن الأرض، وهو ما يؤدي إلى اختلاطها بمياه الآبار العذبة.
هذا الاختراق المائي يهدد استدامة مصادر المياه الجوفية في المناطق المحيطة، ويزيد من ملوحة التربة بشكل يدمر جودة الأراضي ويقضي على الزراعات الحالية والمشروعات القومية الزراعية المستهدفة، مما يعد انتهاكاً لحق الأجيال القادمة في الحصول على مياه جوفية صالحة.
ولم يتوقف التحذير عند المياه، بل امتد لـ النظم البيئية الصحراوية. فقد أكدت الدراسة أن ملء المنخفض سيؤدي لتدمير الموائل الطبيعية لأكثر من 40 نوعاً من النباتات البرية والطبية، و28 نوعاً من الثدييات النادرة مثل الغزال والضبع المخطط، بالإضافة إلى 164 نوعاً من الطيور.
كما أشارت الإنفوجرافات بوضوح إلى الضرر المباشر الذي سيلحق بـ واحة سيوة، فملء المنخفض سيؤثر سلباً على تنوعها البيولوجي الفريد، بما في ذلك عيونها الكبريتية، وبحيرات الملح، وكثبانها الرملية، وهي التي تُعد مركزاً عالمياً لحفظ الأنواع المهددة بالانقراض.
المعوقات الاقتصادية: كنوز البترول والتعدين في خطر
من الناحية الاقتصادية، كشفت الدراسات عن تعارض صارخ بين ملء المنخفض واستغلال الثروات الطبيعية. فالمنطقة تضم 35 منطقة تنمية لإنتاج البترول و8 مناطق استكشاف متداخلة مباشرة مع المنخفض. ملء المنطقة بالمياه يعني تعذر أنشطة التنمية والاستخراج تماماً، واضطرار الدولة لتغيير مواقع خطوط نقل البترول والغاز بتكاليف باهظة.
كذلك خسارة مخزون استراتيجي هائل من البترول الخام وعزوف المستثمرين عن التنقيب في الصحراء الغربية.
كما كشفت الإنفوجرافات عن وجود ثروات معدنية لا تقدر بثمن في المنطقة، تشمل خام البنتونيت والطفلة الكربونية في 6 مواقع رئيسية، والتي كانت ستُفقد للأبد تحت غطاء المياه المالحة.
التكلفة مقابل العائد: حسابات اقتصادية دقيقة
في لغة الأرقام، أثبتت دراسة الجدوى ارتفاع التكاليف المالية مقارنة بالمكاسب التنموية المحدودة. فحفر قناة موصلة من البحر المتوسط إلى المنخفض يتطلب استثمارات ضخمة جداً، كما أن توليد الكهرباء من مساقط المياه في البحيرة المزمعة ستكون تكلفته عالية جداً مقارنة بمصادر الطاقة المتجددة الأخرى التي نجحت الدولة في التوسع بها (مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح) والتي أصبحت أكثر كفاءة وأقل تكلفة.
خاتمة: التنمية الواعية
يأتي نشر هذه النتائج ليؤكد أن الدشولة المصرية في “الجمهورية الجديدة” لا تندفع وراء مشروعات براقة دون دراسة حقيقية. إن الانحياز للسيناريو الرابع الذي يحافظ على جغرافية منخفض القطارة كما هي، هو انحياز للعلم، وللثروات البترولية والمعدنية، وللأمن المائي، وللتوازن البيئي في واحة سيوة. إن منخفض القطارة سيظل ركيزة للتنمية، ولكن ليس عبر إغراقه، بل عبر استثمار ما في باطنه وما حوله من موارد بأساليب تحافظ على ثروات مصر للأجيال الحالية والمستقبلية.








