أعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية عن دخول البلاد عهدا دستوريا جديدا. يمثل هذا التطور ذروة مسار طويل شمل مراجعات دامت قرابة 14 عاما، ويهدف إلى نقل الصومال من نظام المحاصصة التقليدي إلى آفاق الديمقراطية المباشرة.
تفاصيل الاجتماع الوزاري وأولويات المرحلة
عقد مجلس الوزراء الصومالي اليوم اجتماعا استثنائيا برئاسة رئيس الوزراء، خصص بالكامل للمصادقة على خطة تنفيذ الدستور الجديد للفترة الممتدة بين (2026–2029).
وشدد المجلس على أن الدستور المعدل بات ساري المفعول رسميا وبأثر فوري. وقد تمحور النقاش حول أربع أولويات استراتيجية تشكل ركائز العمل الحكومي للمرحلة المقبلة:
بناء المؤسسات: البدء الفوري في إنشاء وتفعيل الهيئات الوطنية الدستورية والمجالس المستقلة الكفيلة بتطبيق بنود الدستور وضمان سيادة القانون.
التحول الديمقراطي: وضع الآليات التنفيذية ومتابعة الإصلاحات الانتخابية الشاملة للانتقال بالبلاد نحو نظام الاقتراع العام المباشر (“صوت لكل مواطن”)، لإنهاء حقبة الانتخابات غير المباشرة.
البيئة التشريعية: إقرار السياسات العامة، صياغة القوانين المصاحبة للدستور، ومراجعة الاتفاقيات الدولية بما يتوافق مع الرؤية الوطنية الجديدة.
العمل الدبلوماسي: إقرار حركة ترقيات وتعيينات جديدة في السلك الدبلوماسي لتعزيز حضور الصومال الخارجي ودعم توجهاته الجديدة عالميا.
جاء هذا الحراك الحكومي المكثف بعد يوم واحد فقط من الخطاب التاريخي الذي ألقاه الرئيس حسن شيخ محمود (أمس السبت 16 مايو)، والذي أعلن فيه رسميا بدء تطبيق الدستور الجديد. كما حسم الرئيس الجدل حول الأطر الزمنية تأكيدا منه على أن ولاية الحكومة الفيدرالية الحالية ستنتهي رسميا في 15 مايو 2027، وذلك تماشيا مع الأحكام الانتقالية للدستور المعدل.
السياق العام والتعديلات الجوهرية
تعود جذور هذه التطورات المتسارعة إلى تاريخ 4 مارس 2026، حينما صوت البرلمان الفيدرالي الصومالي بأغلبية ساحقة بلغت 222 صوتا لصالح إقرار التعديلات الدستورية.
أبرز التغييرات الدستورية: تمديد المدة الرئاسية والبرلمانية من 4 سنوات إلى 5 سنوات.
وترى القيادة الصومالية أن هذا التمديد ليس هدفا بحد ذاته، بل هو ضرورة تقنية حتمية لتوفير الوقت الكافي للتحضير اللوجستي والأمني والتشريعي اللازم لتنظيم أول انتخابات ديمقراطية مباشرة تشهدها البلاد منذ عقود.
المشهد السياسي بين التحدي والإصرار
رغم الاحتفاء الحكومي بهذا الإنجاز الذي يوصف بـ”التاريخي”، إلا أن المشهد السياسي الصومالي يشهد استقطابا حادا؛ حيث تواجه هذه الخطوة معارضة شرسة من قوى سياسية بارزة وبعض الولايات الإقليمية.
وتصف المعارضة التعديلات بـ”الانقلاب الدستوري”، معتبرة أن غياب التوافق الشامل وتمديد الولاية يهددان الاستقرار السياسي الدستوري للبلاد.
وقد تعمقت الأزمة بعد فشل جولة المحادثات الأخيرة التي عقدت بين الحكومة والمعارضة في الفترة من 13 إلى 15 مايو الجاري دون التوصل إلى صيغة توافقية.
وأمام هذا الانسداد، توالت الدعوات الدولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، واللتين حثتا الأطراف الصومالية على ضبط النفس والعودة إلى طاولة الحوار البناء لتفادي أي تصعيد قد يستغله الخصوم.
إن اجتماع مجلس الوزراء اليوم يبعث برسالة واضحة ومفادها أن الحكومة الفيدرالية عازمة على المضي قدما في مسارها الدستوري والسياسي، متجاوزة الخلافات الداخلية والتحديات الأمنية الجسيمة، وعلى رأسها التهديد المستمر الذي تشكله حركة الشباب، لتؤسس بذلك مرحلة جديدة في تاريخ الصومال الحديث.










