تحقيق دولي يكشف 17 تهمة ضد مسؤول أمني سابق ويضع ليبيا مجددًا في قلب مساءلة جرائم الحرب منذ 2011
طرابلس – المنشر الإخبارى
تتجه الأنظار إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، حيث تتواصل جلسات بالغة الحساسية حتى 21 مايو/أيار الجاري، في قضية توصف بأنها من أخطر الملفات المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا خلال العقد الأخير، والمتعلقة بسجن معيتيقة الذي ارتبط اسمه باتهامات واسعة النطاق بالتعذيب والقتل والاحتجاز التعسفي.
ويمثل أمام قضاة المحكمة المسؤول الليبي السابق عن إدارة السجن، خالد محمد علي الهيشري، في جلسات تمهيدية للنظر في أدلة الادعاء التي تتضمن اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في خطوة تُعد الأولى من نوعها التي يصل فيها مسؤول ليبي رفيع سابق إلى هذه المرحلة من التقاضي الدولي أمام المحكمة الجنائية الدولية.
أول مسؤول ليبي أمام العدالة الدولية منذ إحالة ملف 2011
وتأتي هذه التطورات في سياق تاريخي يعود إلى عام 2011، حين أحال مجلس الأمن الدولي الوضع في ليبيا إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة التي صاحبت الصراع الليبي. ومنذ ذلك الوقت، ظلت ملفات عدة قيد التحقيق دون أن تصل إلى مرحلة الاستماع القضائي العلني بهذا المستوى من التقدم.
ويُعد ظهور الهيشري أمام المحكمة تطورًا لافتًا، باعتباره أول مسؤول ليبي يواجه جلسات استماع فعلية تتعلق بجرائم يُشتبه بوقوعها داخل أحد أبرز مراكز الاحتجاز المثيرة للجدل في العاصمة طرابلس.
17 تهمة ثقيلة تشمل القتل والتعذيب والاعتداء الجنسي
وبحسب وثائق الادعاء العام، يواجه المتهم 17 تهمة جنائية تشمل القتل، والتعذيب، والاغتصاب، والعنف الجنسي، والاضطهاد، والمعاملة غير الإنسانية، وهي اتهامات ترتبط بفترة إدارته للسجن بين عامي 2015 و2020، وهي الفترة التي شهدت اضطرابات أمنية واسعة وانقسامًا سياسيًا حادًا في البلاد.
وتشير النيابة إلى أن المتهم كان يشرف بشكل مباشر أو غير مباشر على منظومة احتجاز وُصفت بأنها “قاسية ومنهجية”، تضمنت انتهاكات طالت عشرات وربما مئات المحتجزين، بينهم نساء وقاصرون، داخل سجن معيتيقة الذي تديره قوة الردع الخاصة في تلك الفترة.
شهادات عن تعذيب ووفاة محتجزين داخل السجن
وتفيد تقارير المحكمة بأن عددًا من السجناء توفوا داخل المعتقل نتيجة التعذيب أو الحرمان من الرعاية الطبية أو ظروف الاحتجاز القاسية، فيما تحدثت وثائق أخرى عن ترك بعض المحتجزين دون رعاية مناسبة في ظروف مناخية صعبة، ما أدى إلى تدهور أوضاعهم الصحية.
كما تتضمن الاتهامات وقائع صادمة، من بينها تعرض محتجزين، بينهم فتى يبلغ 15 عامًا، لاعتداءات جنسية على يد حراس أو سجناء آخرين، وهي ادعاءات تصفها النيابة بأنها جزء من نمط ممنهج من الانتهاكات داخل السجن خلال تلك السنوات.
اعتقال في ألمانيا وتسليم إلى لاهاي
وبحسب المعلومات الواردة في ملف القضية، فقد تم توقيف الهيشري في ألمانيا خلال عام 2025، قبل أن يتم تسليمه لاحقًا إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، تنفيذًا لمذكرة توقيف دولية صادرة عن المحكمة.
ومنذ تسليمه، خضع لإجراءات قانونية أولية، شملت جلسة تعريفية في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أعقبتها جلسة إجرائية في يناير/كانون الثاني، قبل أن تبدأ جلسات التقييم الحالية التي تركز على فحص الأدلة المقدمة من الادعاء.
هل تتحول الجلسات إلى محاكمة كاملة؟
وتُعد الجلسات الجارية مرحلة “التحقق الأولي” من الأدلة، حيث يقرر القضاة ما إذا كانت المعطيات كافية لإحالة المتهم إلى محاكمة رسمية كاملة قد تمتد لأشهر أو حتى سنوات.
ويمتلك قضاة المحكمة مهلة تصل إلى 60 يومًا لإصدار قرارهم النهائي، والذي قد يشمل تأكيد التهم أو تعديلها أو إسقاطها، وفي حال اعتمادها سيتم فتح ملف محاكمة دولية موسعة.
ويؤكد الادعاء أن هناك “أسبابًا معقولة” للاعتقاد بأن المتهم كان جزءًا من منظومة انتهاكات واسعة النطاق داخل سجن معيتيقة، الذي وصفته تقارير حقوقية بأنه أحد أكثر مراكز الاحتجاز إثارة للجدل في ليبيا.
هيومن رايتس ووتش: خطوة نادرة نحو العدالة
من جانبها، اعتبرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن هذه الخطوة تمثل تطورًا مهمًا في مسار العدالة الدولية، مشيرة إلى أن مثول مسؤول سابق بعد سنوات طويلة من الإفلات من العقاب يبعث برسالة إلى الضحايا بأن مسار العدالة لا يزال ممكنًا رغم التعقيدات السياسية والأمنية في ليبيا.
وأكدت المنظمة أن استمرار الانتهاكات في البلاد يعكس الحاجة الملحة لتحرك دولي أوسع لإنهاء الإفلات من العقاب، ودعم جهود المحاسبة في ملف حقوق الإنسان.
ليبيا… عقدة سياسية تعقد مسار العدالة
وتأتي هذه التطورات في ظل مشهد سياسي ليبي شديد التعقيد، حيث تعاني البلاد من انقسام بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب، مع استمرار الخلافات حول توحيد المؤسسات السيادية وإجراء الانتخابات المؤجلة منذ سنوات، إضافة إلى النزاعات حول إدارة الموارد النفطية.
ورغم بعض المحاولات الدولية لإعادة توحيد المؤسسات، بما في ذلك التوصل إلى ميزانية موحدة مؤخرًا، فإن المشهد العام لا يزال هشًا، ما ينعكس على مسار العدالة الانتقالية وملاحقة الانتهاكات.
ويُنظر إلى قضية معيتيقة باعتبارها اختبارًا مهمًا لمدى قدرة المحكمة الجنائية الدولية على المضي قدمًا في ملفات الجرائم المعقدة داخل دول تعاني من الانقسام وعدم الاستقرار.
اختبار جديد للعدالة الدولية
ومع استمرار جلسات لاهاي، تبقى القضية مفتوحة على احتمالات عدة، أبرزها الانتقال إلى محاكمة دولية كاملة، أو إعادة تقييم الاتهامات في ضوء الأدلة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الحقوقية والدولية لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الليبية.
وتظل قضية معيتيقة واحدة من أبرز الملفات التي تعيد تسليط الضوء على سنوات الصراع في ليبيا، وعلى سؤال العدالة المؤجلة الذي يرافق الضحايا منذ أكثر من عقد.










