باحثون من أوروبا ونيوزيلندا وإيران يحذرون عبر “ذا لانسيت” من انهيار قدرات الرصد الوبائي واللقاحات بعد الضربات الأميركية الإسرائيلية
طهران – المنشر الإخبارى
أطلق علماء وباحثون دوليون تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الصحية والإنسانية الناتجة عن تدمير معهد باستور الإيراني، مطالبين المجتمع الطبي العالمي بالتدخل العاجل لإعادة تأهيل المؤسسة العلمية التي تعرضت لأضرار واسعة جراء الغارات الأميركية الإسرائيلية الأخيرة على إيران.
وفي دراسة نشرتها مجلة “ذا لانسيت” الطبية العالمية، اعتبر الباحثون أن ما تعرض له المعهد لا يمثل مجرد تعطيل مؤقت لمنشأة طبية، بل يهدد بفقدان أحد أهم أعمدة الصحة العامة في المنطقة، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تداعيات وبائية تتجاوز حدود إيران.
وشارك في إعداد الدراسة باحثون من إيران وأوروبا ونيوزيلندا وعدد من الدول الغربية، حيث أكدوا أن “معهد باستور الإيراني شكّل على مدار أكثر من قرن ركيزة أساسية للنظام الصحي الإيراني”، مضيفين أن فقدانه “لا يحمل طابعاً رمزياً فقط، بل يمثل تهديداً مباشراً وخطيراً للصحة العامة”.
وأوضح الباحثون أن الهجمات أدت إلى تدمير مختبرات مرجعية حيوية، من بينها مختبرات الرصد الجيني للأوبئة، ومراكز أبحاث داء الكلب، وفيروس نقص المناعة المكتسب “الإيدز”، والتهاب الكبد الفيروسي، والأمراض المنقولة عبر الحشرات، وهو ما سيؤثر بشكل مباشر على قدرة السلطات الصحية على اكتشاف الأوبئة والاستجابة السريعة لها.
وأشار التقرير إلى أن غياب هذه المختبرات المتخصصة قد يؤدي إلى تأخر التعامل مع موجات التفشي الموسمية والإقليمية، ويقوض قدرات الرصد المبكر للأمراض المعدية، ما يرفع مستوى المخاطر الصحية في المنطقة بأكملها.
وأكد الباحثون أن القضية لا تخص إيران وحدها، بل تمثل تهديداً للأمن الصحي الإقليمي والدولي، داعين المؤسسات الصحية العالمية إلى “توظيف كامل إمكاناتها لحماية البنية التحتية الطبية، والعمل على استعادة القدرات التشخيصية والرقابية واللقاحية لمعهد باستور الإيراني”.
ويُعد معهد باستور الإيراني من أقدم المؤسسات الطبية والعلمية في الشرق الأوسط، إذ تأسس قبل 106 أعوام، ولعب دوراً محورياً في مواجهة الأوبئة والأمراض المعدية، كما ساهم في تطوير اللقاحات والبحوث الطبية وخدمات التشخيص والرصد الوبائي.
ويضم المعهد مختبرات مرجعية وطنية، وأقساماً لإنتاج وتطوير اللقاحات، ووحدات متخصصة في مراقبة مسببات الأمراض والاستجابة لحالات التفشي الوبائي، ما جعله إحدى الركائز الأساسية للنظام الصحي الإيراني.
كما أكدت منظمة الصحة العالمية أن المعهد “لم يعد قادراً على العمل أو تقديم خدماته الصحية” بعد الأضرار التي لحقت به جراء الغارات الجوية، في تطور أثار قلقاً واسعاً داخل الأوساط الطبية الدولية.
ولفت الباحثون إلى أن الضربات جاءت بعد سنوات من العقوبات التي أضعفت بالفعل النظام الصحي الإيراني، وقيّدت وصوله إلى المعدات والتقنيات الطبية المتطورة.
وأشاروا إلى أنهم سبق أن حذروا، في دراسة نُشرت عام 2018، من تأثير العقوبات الأميركية على برامج مكافحة التهاب الكبد الفيروسي في إيران، والتي كانت تعتمد بشكل كبير على اللقاحات والأدوية المنتجة محلياً والمستوردة.
كما أوضح التقرير أن جائحة كورونا كشفت حجم التحديات التي واجهها القطاع الصحي الإيراني بسبب العقوبات، خصوصاً فيما يتعلق بالحصول على تقنيات الرصد الجيني والتجهيزات الضرورية لمواجهة الأوبئة.
وأكد الباحثون أن معهد باستور لعب دوراً محورياً في مكافحة أمراض مثل الكوليرا، والحصبة، والسل، وداء الكلب، والإيدز، والتهاب الكبد الفيروسي، عبر خدمات التشخيص والرصد الجيني وتطوير اللقاحات.
وتأتي هذه التحذيرات وسط إدانات متصاعدة للهجمات التي استهدفت منشآت طبية وتعليمية ومدنية داخل إيران، بما في ذلك مستشفيات وجامعات ومراكز أبحاث ومرافق صحية، في إطار الحرب التي بدأت في 28 فبراير الماضي.
ويرى مراقبون أن تدمير بنية صحية بهذا الحجم قد يترك آثاراً طويلة الأمد على الأمن الصحي في المنطقة، خاصة في ظل الترابط الوبائي والجغرافي بين دول الشرق الأوسط.










