خلافات حادة بين القوى الكبرى وإيران تُسقط التوافق الدولي وسط تحذيرات من سباق تسلح نووي جديد
واشنطن – المنشر الإخبارى
انتهى مؤتمر الأمم المتحدة لمراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية دون التوصل إلى أي اتفاق نهائي، في تطور يعكس عمق الانقسامات الدولية المتزايدة حول مستقبل النظام النووي العالمي، وسط مخاوف متصاعدة من عودة سباق التسلح بين القوى الكبرى واتساع التوترات المرتبطة بالملف النووي الإيراني.
وأعلن سفير فيتنام لدى الأمم المتحدة دو هونغ فييت، الذي ترأس أعمال المؤتمر الذي استمر أربعة أسابيع، عدم التوصل إلى توافق بين الدول الأطراف الـ191 في المعاهدة، مؤكداً أن الخلافات العميقة بين الدول حالت دون اعتماد أي وثيقة ختامية.
وقال السفير في مؤتمر صحفي عقب الجلسات الختامية: “رغم الجهود المكثفة والتفاوض المستمر حتى اللحظة الأخيرة، لم يتم التوصل إلى اتفاق مشترك”، مشيراً إلى أن جميع الأطراف شاركت في النقاشات، لكن الفجوات السياسية والاستراتيجية كانت أكبر من إمكانية التوافق.
المعاهدة في مأزق متكرر
ويأتي هذا الفشل ليضاف إلى سلسلة من الإخفاقات التي تشهدها مؤتمرات مراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي، والتي تعد حجر الأساس في نظام الحد من انتشار الأسلحة النووية منذ دخولها حيز التنفيذ عام 1970.
وبحسب الأمم المتحدة، فإن هذه هي المرة الثالثة على التوالي التي تفشل فيها مؤتمرات المراجعة في التوصل إلى اتفاق، بعد إخفاقات مماثلة في عامي 2015 و2022، ما يعكس تراجع الثقة بين الدول النووية وغير النووية، وتزايد الانقسامات حول تفسير التزامات المعاهدة.
وتُعد المعاهدة إحدى أهم الأدوات القانونية الدولية في مجال الأمن الجماعي، إذ تقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية: منع انتشار الأسلحة النووية، ونزع السلاح النووي، والاستخدام السلمي للطاقة النووية. لكن هذه الأعمدة باتت تواجه تحديات غير مسبوقة في ظل التطورات الجيوسياسية الأخيرة.
خلافات سياسية تعرقل التوافق
ووفق مصادر دبلوماسية حضرت المفاوضات، فإن الخلافات بين الولايات المتحدة وعدد من الدول، وعلى رأسها إيران، لعبت دوراً محورياً في انهيار التوافق النهائي حول مسودة البيان الختامي.
وتضمنت المسودة النهائية بنداً مثيراً للجدل ينص على أن إيران “لا يمكنها أبداً السعي إلى أو تطوير أو امتلاك أي أسلحة نووية”، وهو ما رفضته طهران بشدة، معتبرة أنه “استهداف سياسي غير متوازن” يخرج عن إطار المعاهدة.
وفي المقابل، طالبت إيران بإدراج إدانة صريحة للهجمات التي استهدفت منشآتها النووية، إضافة إلى تحميل الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية التصعيد في المنطقة، وهو ما رفضته دول غربية، ما أدى إلى انسداد كامل في المفاوضات.
وبحسب وثائق مسربة اطلعت عليها وكالة “فرانس برس”، فقد شهدت النسخ المتعاقبة من المسودة تعديلات متكررة، حيث تم تخفيف بعض العبارات المتعلقة بإيران، في محاولة لإيجاد صيغة وسط، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل في اللحظات الأخيرة.
انسحاب الإشارات إلى كوريا الشمالية واتفاقات التسلح
ومن أبرز ملامح الوثيقة النهائية غير المعتمدة، غياب أي إشارات إلى برنامج كوريا الشمالية النووي، رغم أنه يُعد أحد أكثر الملفات حساسية في نظام عدم الانتشار العالمي.
كما خلت الوثيقة من أي ذكر صريح لمسألة “نزع السلاح النووي” في شبه الجزيرة الكورية، في خطوة اعتبرها مراقبون تراجعاً دبلوماسياً خطيراً عن أولويات الأمن الدولي.
إضافة إلى ذلك، تم إسقاط الدعوة المباشرة للولايات المتحدة وروسيا لبدء مفاوضات حول اتفاق بديل لمعاهدة “نيو ستارت”، التي تنظم الحد من الترسانتين النوويتين لدى البلدين، والتي انتهت صلاحيتها في فبراير/شباط الماضي.
ويُنظر إلى هذا الإخفاق باعتباره ضربة قوية لجهود الحد من التسلح النووي، خاصة في ظل تصاعد التوتر بين موسكو وواشنطن منذ اندلاع الحرب في أوروبا خلال السنوات الأخيرة.
تحذيرات من سباق تسلح جديد
أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن أسفه العميق لفشل المؤتمر، محذراً من “المخاطر المتزايدة الناجمة عن الأسلحة النووية”، وداعياً إلى تحرك دولي عاجل لتجنب الانزلاق نحو سباق تسلح جديد.
وقال المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك إن غوتيريش شدد على ضرورة “استغلال جميع السبل المتاحة للحوار والدبلوماسية والتفاوض بهدف خفض التوترات وتقليل المخاطر النووية، وصولاً إلى القضاء على التهديد النووي”.
وأضاف أن الأمين العام يرى أن “الفشل في التوصل إلى توافق يعكس حجم التحديات التي تواجه النظام الدولي القائم على القواعد”.
الملف النووي الإيراني في قلب الخلاف
وكان الملف النووي الإيراني أحد أكثر الملفات تعقيداً داخل المؤتمر، حيث تبادلت الولايات المتحدة وإيران الاتهامات بشأن الالتزام بالمعاهدة.
وتتهم واشنطن طهران بعدم الامتثال لالتزاماتها، بما في ذلك تقييد وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى بعض المنشآت، خصوصاً تلك التي تعرضت للقصف خلال النزاعات الأخيرة.
في المقابل، تؤكد إيران أن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلمية، وتعتبر أن استهداف منشآتها يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وقال داريل كيمبال، المدير التنفيذي لجمعية الحد من التسلح في واشنطن، إن الولايات المتحدة أصرت خلال المفاوضات على إدراج إشارة مباشرة إلى إيران باعتبارها “منتهكاً متكرراً للمعاهدة”، وهو ما أثار اعتراضات شديدة من الجانب الإيراني.
وأضاف أن طهران طالبت بدورها بإدانات متوازنة تشمل الولايات المتحدة وإسرائيل بسبب الهجمات على منشآتها النووية، لكن ذلك لم يُدرج في النص النهائي، ما ساهم في انهيار التوافق.
تبادل الاتهامات بين القوى الكبرى
وفي ختام المؤتمر، وصفت الولايات المتحدة إيران بأنها “منتهك متكرر للمعاهدة”، بينما شددت على ضرورة اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه برامجها النووية.
في المقابل، اتهمت منظمات دولية ونشطاء في مجال نزع السلاح القوى النووية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا، بعدم الالتزام بتعهدات نزع السلاح، معتبرة أن استمرار تحديث الترسانات النووية يتناقض مع روح المعاهدة.
وقالت ربيكا جونسون، الناشطة البارزة في مجال نزع السلاح، إن الدول النووية “تضاعف التهديدات، وتلقي اللوم على الآخرين، بينما تتجاهل التزاماتها الأساسية”، محذرة من أن هذا النهج يقوض النظام الدولي برمته.
عالم يملك 9 قوى نووية وترسانة متنامية
وتشير التقديرات إلى أن الترسانة النووية العالمية تنحصر بين تسع دول هي: الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، المملكة المتحدة، الهند، باكستان، إسرائيل، وكوريا الشمالية.
وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، فإن الولايات المتحدة وروسيا تمتلكان وحدهما نحو 90% من إجمالي الأسلحة النووية في العالم، وقد شرعتا خلال السنوات الأخيرة في تنفيذ برامج تحديث ضخمة لترسانتيهما.
ويرى خبراء أن هذا الاتجاه يزيد من احتمالات سباق تسلح جديد، خصوصاً مع تراجع أدوات الرقابة الدولية وضعف الاتفاقات السابقة، إلى جانب تصاعد النزاعات الإقليمية في عدة مناطق حول العالم.
نهاية مفتوحة على مخاطر أكبر
ويترك فشل مؤتمر المراجعة الأخير معاهدة عدم الانتشار النووي أمام اختبار صعب، في وقت تتزايد فيه الأزمات الدولية وتتعقد فيه حسابات القوى الكبرى.
وبينما تدعو الأمم المتحدة إلى العودة إلى طاولة التفاوض، يبدو أن غياب الثقة بين الأطراف وتزايد التوترات الجيوسياسية يجعلان الوصول إلى توافق جديد أمراً بالغ الصعوبة في المدى القريب.
وفي ظل هذه المعطيات، يحذر مراقبون من أن النظام العالمي للحد من الأسلحة النووية يواجه واحدة من أخطر مراحله منذ تأسيسه، مع احتمالات متزايدة لانفلات سباق تسلح قد يعيد تشكيل ميزان القوى العالمي لعقود قادمة.









