الإقليم بين خيارين سياسيين يحددان مستقبل تشكيل الحكومة
بغداد – المنشر الإخبارى
عاد ملف تشكيل حكومة إقليم كردستان العراق إلى واجهة المشهد السياسي مجدداً، وسط مؤشرات على تصاعد حاد في الخلافات بين القوى الكردية الرئيسية، في وقت لا تزال فيه الأزمة السياسية مستمرة منذ انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2024، دون التوصل إلى صيغة توافقية لتشكيل الحكومة أو إعادة تفعيل البرلمان.
ويأتي هذا التطور بعد انتهاء أزمة تشكيل الحكومة الاتحادية في بغداد، ما فتح الباب أمام إعادة تحريك الملفات السياسية العالقة داخل الإقليم، في ظل تحركات ومبادرات جديدة تهدف إلى كسر حالة الجمود التي تضرب المؤسسات الكردية منذ أكثر من عام ونصف.
وبحسب معطيات المشهد السياسي، تتجه الأنظار مجدداً نحو الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يدرس خيارات عدة، من بينها الدفع نحو تشكيل حكومة أغلبية سياسية، أو اللجوء إلى انتخابات مبكرة، في حال استمرار حالة الانسداد السياسي مع الاتحاد الوطني الكردستاني وبقية القوى.
أزمة ممتدة منذ انتخابات 2024
ورغم مرور أكثر من 18 شهراً على انتخابات برلمان إقليم كردستان التي جرت في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2024، لا تزال الحكومة الجديدة غير مكتملة التشكيل، بينما بقي البرلمان في حالة تعطّل شبه كامل بعد جلسة افتتاحية لم تُستكمل خلالها إجراءات انتخاب الرئاسة أو توزيع المناصب الأساسية.
وأسفرت الانتخابات عن فوز الحزب الديمقراطي الكردستاني بـ39 مقعداً، مقابل 23 مقعداً للاتحاد الوطني الكردستاني، و15 مقعداً لحركة الجيل الجديد، إضافة إلى مقاعد متفرقة لأحزاب أخرى، ما خلق معادلة سياسية معقدة، خاصة مع تقارب موازين القوى بين معسكري الديمقراطي والاتحاد الوطني وحلفائه.
هذا التوازن الهش جعل عملية تشكيل الحكومة رهينة تفاهمات سياسية لم تكتمل، وسط خلافات عميقة حول توزيع المناصب السيادية وإدارة الموارد النفطية والمالية، إضافة إلى العلاقة مع الحكومة الاتحادية في بغداد.
مبادرات للحل وسط تصعيد سياسي
في الأسابيع الأخيرة، تصاعدت الأحاديث داخل الأوساط السياسية الكردية حول احتمال لجوء الحزب الديمقراطي إلى خيار “الأغلبية السياسية”، أو حتى الدفع باتجاه انتخابات مبكرة في حال استمرار التعثر السياسي.
وفي المقابل، برزت مبادرة جديدة أطلقها الاتحاد الإسلامي الكردستاني، تهدف إلى إعادة إحياء الحوار بين الأطراف الرئيسية، ومحاولة تقريب وجهات النظر لتفادي مزيد من الانقسام داخل الإقليم.
وبحسب مصادر سياسية، ساهمت هذه المبادرة في تخفيف حدة التوتر الإعلامي بين الحزبين الرئيسيين، حيث تم تسجيل تراجع نسبي في الحملات المتبادلة، بالتوازي مع مؤشرات على إعادة فتح قنوات تفاوض غير معلنة بين أربيل والسليمانية.
سيناريو “الأغلبية السياسية” محل جدل
في هذا السياق، يرى عضو الاتحاد الوطني الكردستاني أحمد الهركي أن الحديث عن إمكانية تشكيل حكومة دون مشاركة الاتحاد الوطني “غير واقعي من الناحية السياسية والعددية”.
وقال الهركي في تصريحات صحفية:
“الاتحاد الوطني وحلفاؤه يمتلكون وزناً انتخابياً لا يمكن تجاوزه، ولا يمكن لأي طرف تشكيل حكومة مستقرة دون توافق شامل، خاصة في ظل طبيعة النظام السياسي في الإقليم”.
وأضاف أن هناك جهوداً مستمرة من قبل الاتحاد الإسلامي الكردستاني لإعادة إطلاق الحوار، متوقعاً أن تعود الاجتماعات بين الأطراف بعد عطلة عيد الأضحى، بهدف التوصل إلى صيغة شراكة سياسية جديدة.
الديمقراطي: البرلمان أمام خيار الحل أو التفعيل
في المقابل، يؤكد الحزب الديمقراطي الكردستاني أن نتائج الانتخابات تمنحه حق قيادة الحكومة المقبلة، مع التشديد على ضرورة تفعيل البرلمان بشكل كامل لإنهاء حالة الجمود السياسي.
وقال عضو الحزب وفا محمد إن الحزب يطالب بتفعيل البرلمان كخطوة أولى لإعادة بناء المؤسسات الدستورية داخل الإقليم، محذراً من أن استمرار الانسداد السياسي قد يدفع نحو خيار حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة.
وأضاف:
“في حال استمر تعطيل تشكيل الحكومة ورفض التعاون، فإن الذهاب إلى انتخابات جديدة قد يصبح الخيار الوحيد المتاح أمام الأطراف السياسية”.
انقسام سياسي ومؤسساتي متجذر
وتشير تطورات الأزمة إلى أن الانقسام السياسي في الإقليم لم يعد مجرد خلاف على توزيع المناصب، بل تحول إلى صراع أعمق حول طبيعة إدارة الحكم ومستقبل التوازنات السياسية داخل كردستان.
ويستخدم مراقبون توصيف “المنطقتين الخضراء والصفراء” للإشارة إلى مناطق النفوذ التقليدية بين الحزب الديمقراطي في أربيل ودهوك، والاتحاد الوطني في السليمانية، وهو ما يعكس حالة من الانقسام المؤسساتي والإداري المستمر منذ سنوات.
هذا الانقسام انعكس على أداء المؤسسات الرسمية، حيث تعاني بعض المناطق من ازدواجية في القرار السياسي والإداري، إضافة إلى ضعف التنسيق بين الأجهزة الحكومية المختلفة.
ضغوط اقتصادية تزيد التعقيد
وتتزامن الأزمة السياسية مع تحديات اقتصادية متصاعدة داخل الإقليم، أبرزها تأخر صرف الرواتب، والخلافات المالية مع الحكومة الاتحادية في بغداد، إضافة إلى تراجع الاستثمارات بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي.
كما أدى تعطّل البرلمان إلى إضعاف الرقابة التشريعية، وتجميد عدد من القوانين والمشاريع الإصلاحية، ما فاقم من حالة التوتر بين الشارع الكردي والطبقة السياسية.
مخاوف من استمرار الجمود
ويرى مراقبون أن استمرار الأزمة السياسية دون حل قد يؤدي إلى مزيد من التدهور الإداري والاقتصادي داخل الإقليم، في ظل غياب مؤشرات واضحة على تسوية قريبة.
كما يحذر خبراء من أن خيار حكومة الأغلبية، رغم طرحه كأداة ضغط سياسية، يبقى محدود الجدوى في ظل تعقيد التوازنات الداخلية، واعتماد النظام السياسي في كردستان على مبدأ الشراكة بين القوى الرئيسية.
سيناريوهات مفتوحة
وبين خيار الشراكة المتعثرة، أو حكومة الأغلبية، أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، يبقى مستقبل المشهد السياسي في إقليم كردستان مفتوحاً على جميع الاحتمالات.
لكن المؤكد، بحسب محللين، أن الأزمة الحالية تجاوزت حدود الخلاف السياسي التقليدي، لتصبح اختباراً حقيقياً لقدرة القوى الكردية على إدارة المرحلة المقبلة دون مزيد من التفكك أو التصعيد.
وفي ظل استمرار الانسداد، تبقى الأنظار موجهة إلى المبادرات الوسيطة والضغوط الإقليمية، باعتبارها قد تكون العامل الحاسم في إعادة تحريك ملف تشكيل الحكومة وإنهاء حالة الجمود التي تضرب الإقليم منذ انتخابات 2024.








