مبادرة مشتركة داخل الاتحاد الأوروبي لفرض رسوم أسرع ومواجهة الإغراق الصناعي الصيني
روما – المنشر الإخبارى
تشهد أروقة الاتحاد الأوروبي تصاعدًا في التوجه نحو سياسات تجارية أكثر صرامة تجاه الصين، في ظل ضغوط متزايدة من دول أوروبية تعتبر أن المنافسة الصينية غير متكافئة وتؤثر بشكل مباشر على مستقبل الصناعة الأوروبية وفرص العمل داخل القارة
وكشفت صحيفة “فايننشال تايمز” أن إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وهولندا وليتوانيا قدمت وثيقة مشتركة تدعو إلى إعادة صياغة أدوات الدفاع التجاري الأوروبي، بما يسمح بالتحرك السريع ضد ما تصفه بـ”الممارسات التجارية غير العادلة” و”فائض الإنتاج البنيوي” القادم من خارج الاتحاد
وتأتي هذه المبادرة في توقيت حساس داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تتزايد الانقسامات بين الدول الأعضاء حول كيفية التعامل مع الصين، بين تيار يدعو إلى المواجهة الاقتصادية وتيار آخر يفضل الحفاظ على علاقات تجارية مستقرة
ضغوط على الصناعة الأوروبية وخسائر في الوظائف
تشير الوثيقة إلى أن الصناعة الأوروبية تواجه ضغوطًا متصاعدة نتيجة تدفق الواردات منخفضة التكلفة، والتي ترتبط في كثير من الحالات بسياسات دعم حكومية في دول خارج الاتحاد
ووفقًا للتقديرات الواردة، فقدت أوروبا نحو مليون وظيفة في القطاع الصناعي خلال الفترة بين 2019 و2025، وهو ما تعتبره الدول الداعمة للمبادرة مؤشرًا خطيرًا على تراجع القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية أمام المنافسة العالمية
وتؤكد الدول الخمس أن استمرار الوضع الحالي دون تدخل أكثر حزمًا سيؤدي إلى مزيد من التدهور في القاعدة الصناعية الأوروبية، خاصة في القطاعات الاستراتيجية
تسريع فرض الرسوم ومواجهة التحايل التجاري
وتدعو المبادرة إلى تسهيل وتسريع إجراءات فرض الرسوم الجمركية على الواردات التي يُثبت أنها تضر بالسوق الأوروبية، مع تقليل التعقيدات الإدارية التي تعيق الاستجابة السريعة
كما تطالب بتعزيز آليات مكافحة الالتفاف على القوانين التجارية، من خلال سد الثغرات التي تسمح لبعض الشركات بتحويل مسار صادراتها عبر دول ثالثة أو إنشاء كيانات داخل الاتحاد الأوروبي بهدف تجنب القيود
وتقترح الوثيقة أيضًا توسيع نطاق العقوبات لتشمل شركات بعينها وليس فقط دولًا أو منتجات، بما يمنح الاتحاد الأوروبي أدوات أكثر دقة وفعالية في التعامل مع الممارسات التجارية المثيرة للجدل
أدوات جديدة للحماية الاقتصادية الأوروبية
وتشمل المقترحات الأوروبية الدعوة إلى تفعيل أوسع لما يسمى “آليات الحماية التجارية” في حال حدوث زيادة مفاجئة في الواردات، بما يسمح بفرض إجراءات سريعة لحماية الأسواق المحلية
كما يتم طرح فكرة إنشاء “أداة مرونة تجارية” جديدة، تُستخدم عندما تصبح سلاسل الإمداد الأوروبية معتمدة بشكل مفرط على مصدر واحد أو عدد محدود من الدول
ويهدف هذا المقترح إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على الخارج، خصوصًا في القطاعات الصناعية الحساسة والاستراتيجية
تحول تدريجي في موقف الاتحاد الأوروبي
وتشير المعطيات إلى أن هذه الخطوة تعكس تغيرًا واضحًا في المزاج السياسي داخل الاتحاد الأوروبي تجاه الصين، في ظل تزايد المخاوف من اختلال الميزان التجاري
ووفق البيانات الواردة، بلغ العجز التجاري الأوروبي مع الصين نحو 360 مليار يورو خلال عام 2025، وهو رقم يعزز الدعوات إلى إعادة النظر في السياسات الحالية
ويرى مراقبون أن هذا التوجه قد يمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، تقوم على قدر أكبر من الحماية والتقييد بدل الانفتاح غير المشروط
تباين داخل الاتحاد بين التشدد والحذر
ورغم تصاعد الدعوات إلى التشدد، لا تزال هناك دول داخل الاتحاد الأوروبي تفضل نهجًا أكثر توازنًا يقوم على الحوار والتفاوض مع بكين
وفي هذا السياق، أكد مسؤولون أوروبيون أن الهدف ليس التصعيد بقدر ما هو تحقيق “تكافؤ الفرص” في السوق العالمية، مع الحفاظ على قنوات التعاون الاقتصادي
لكن في المقابل، ترى دول المبادرة أن استمرار الوضع الحالي دون أدوات ردع أكثر فاعلية سيضعف الصناعة الأوروبية على المدى الطويل ويقلل من قدرتها التنافسية
نحو سياسة تجارية أوروبية أكثر صرامة
ويبدو أن الاتحاد الأوروبي يتجه تدريجيًا نحو إعادة صياغة أدواته التجارية بما يتناسب مع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية
ويرى محللون أن نجاح هذه المبادرة أو فشلها سيحدد شكل العلاقة المستقبلية بين أوروبا والصين، خصوصًا في ظل تصاعد التوترات الاقتصادية عالميًا
وفي حال تم تبني هذه المقترحات، فقد يشهد الاتحاد الأوروبي تحولًا كبيرًا في سياسته التجارية من الانفتاح إلى الحماية الانتقائية المدروسة











