مشاريع بيئية وصحية ولوجستية واسعة ضمن رؤية 2030 لإدارة أكبر تجمع ديني في العالم
الرياض – المنشر الإخبارى
تسعى المملكة العربية السعودية إلى إعادة صياغة تجربة الحج بشكل شامل، عبر تحويله إلى نموذج عالمي في الإدارة المستدامة للتجمعات البشرية الضخمة، من خلال سلسلة من الإجراءات البيئية والصحية واللوجستية، وذلك استعدادًا لموسم حج 2026 الذي من المتوقع أن يستقطب أكثر من 1.6 مليون حاج من مختلف دول العالم
ويأتي هذا التحول في إطار رؤية السعودية 2030، التي تهدف إلى تحديث البنية التحتية والخدمات العامة وتحسين جودة إدارة الحشود في الأماكن المقدسة، بما يضمن تقليل الأثر البيئي وتحسين كفاءة التشغيل في واحد من أكبر التجمعات الدينية على مستوى العالم
إدارة النفايات وتقليل الأثر البيئي
أحد أبرز التحديات التي تواجه منظومة الحج هو حجم النفايات الهائل الناتج عن تواجد ملايين الحجاج في فترة زمنية قصيرة
ووفق بيانات المركز الوطني لإدارة النفايات في السعودية، فقد تم خلال موسم الحج الماضي إنتاج أكثر من 348 ألف طن من النفايات، شملت مخلفات منزلية وتجارية وبقايا أعمال بناء وهدم
كما تجاوزت النفايات المنزلية وحدها 93 ألف طن، بينما بلغت مخلفات البناء والهدم نحو 190 ألف طن، وهو ما يعكس حجم الضغط البيئي الكبير الناتج عن موسم الحج
وتولي السلطات اهتمامًا خاصًا بالنفايات المرتبطة بالحجاج أنفسهم، بما في ذلك الملابس الخاصة بالإحرام، حيث ارتفعت كمية هذه المخلفات من 14 طنًا عام 2022 إلى 62 طنًا في عام 2025
ولهذا تعمل المملكة على تعزيز برامج إعادة التدوير وتقليل الهدر، خصوصًا في مجال فائض الطعام والنفايات العضوية، إلى جانب إشراك الجمعيات الخيرية والمتطوعين في عمليات الفرز وإدارة المخلفات داخل مخيمات الحجاج
مواجهة الحرارة وتحسين الظروف المناخية
يمثل ارتفاع درجات الحرارة أحد أخطر التحديات خلال موسم الحج، حيث قد تصل درجات الحرارة في مكة والمشاعر المقدسة إلى نحو 47 درجة مئوية
ولهذا أصدرت وزارة الصحة السعودية توصيات للحجاج باستخدام المظلات بشكل مستمر لتقليل التعرض المباشر للشمس والحد من حالات الإجهاد الحراري والجفاف
وتشير السلطات إلى أن توفير الظل يمكن أن يخفض الإحساس بدرجة الحرارة بما يصل إلى 10 درجات مئوية
كما تم خلال السنوات الأخيرة تنفيذ توسعات كبيرة في البنية التحتية المخصصة لمواجهة الحرارة، شملت تركيب أكثر من 6000 جهاز لرش المياه، وتوسيع المناطق المظللة، واستخدام مواد خاصة في رصف الأرضيات لتقليل امتصاص الحرارة
تعزيز المنظومة الصحية والإسعافية
على الصعيد الصحي، تعمل وزارة الصحة وهيئة الهلال الأحمر السعودي على تعزيز قدرات الاستجابة السريعة خلال موسم الحج
ويشمل ذلك توفير أكثر من 3000 وحدة إسعاف، إلى جانب مركبات حديثة مثل الدراجات النارية والعربات الكهربائية، إضافة إلى 11 طائرة إسعاف جوي للحالات الحرجة
كما بدأت السلطات في إدخال تقنيات حديثة مثل استخدام الطائرات المسيرة لنقل الإمدادات الطبية بسرعة، وأنظمة رقمية لتصنيف الحالات الطبية وتوجيهها بشكل أسرع
تطوير منظومة النقل والحشود
تعد إدارة الحركة والتنقل داخل المشاعر المقدسة أحد أهم محاور التطوير، حيث تعتمد السعودية على شبكة نقل متكاملة تشمل القطار الكهربائي “المشاعر”
ويربط هذا القطار بين منى ومزدلفة وعرفات، ويستطيع نقل أكثر من مليوني راكب خلال موسم الحج الواحد، بطاقة تصل إلى نحو 72 ألف شخص في الساعة عبر تسع محطات
كما أسهم النظام في تقليل الاعتماد على الحافلات التقليدية، حيث تم تقليص نحو 50 ألف رحلة حافلات سنويًا داخل المشاعر، ما ساهم في تخفيف الازدحام وتقليل الانبعاثات
وإلى جانب القطار، يتم تشغيل أكثر من 8000 حافلة لنقل الحجاج بين مكة والمدينة والمواقع المقدسة
تحول شامل في تجربة الحج
يشير مراقبون إلى أن منظومة الحج الحالية تختلف جذريًا عن الماضي، حيث تحولت من تجربة تعتمد على الجهد الفردي والتنقل العشوائي إلى نظام متكامل يعتمد على التكنولوجيا وإدارة الحشود
ويؤكد حجاج سابقون أن التجربة أصبحت أكثر تنظيمًا وسلاسة، مع توفر خدمات صحية ونقل متقدمة، مقارنة بالفترات السابقة التي كانت تتسم بالاكتظاظ وصعوبة الحركة
وبذلك، يبدو أن السعودية تسير نحو إعادة تعريف تجربة الحج كليًا، ليس فقط من منظور ديني، بل أيضًا كأحد أكبر النماذج العالمية في إدارة الحشود والاستدامة البيئية والتخطيط الحضري في الظروف القصوى










