أديس أبابا- المنشر الاخباري، 27 مايو أيار 20226، في وقت تتجه فيه الأنظار نحو إثيوبيا، يسود اعتقاد واسع بأن رئيس الوزراء آبي أحمد يتأهب لإعلان فوزه في الانتخابات المقررة في الأول من يونيو 2026.
ورغم التسمية الرسمية، إلا أن أوساطاً سياسية ودولية تنظر لهذه العملية باعتبارها انتخابات “خاضعة لسيطرة مشددة”، مُصممة لترسيخ دعائم السلطة الحالية بدلاً من أن تكون ساحة لمنافسة ديمقراطية حقيقية.
غياب الرقابة الدولية والمصداقية المهتزة
لم يكن قرار الاتحاد الأوروبي بالامتناع عن نشر بعثة رسمية لمراقبة الانتخابات (EOM) في إثيوبيا مجرد إجراء إداري، بل كان رسالة سياسية بليغة حول تآكل مصداقية العملية الانتخابية.
هذا العزوف الدولي يعكس عمق القلق من المناخ السياسي الراهن، حيث يرى المراقبون أن العملية الانتخابية باتت تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط النزاهة والتكافؤ، مما يضعها في سياق التقليد الإثيوبي الطويل في إدارة السلطة بعيداً عن التعددية الحقيقية.
أزمات داخلية تعصف بـ “الاستقرار المزعوم”
تأتي إعادة انتخاب آبي أحمد المتوقعة في ظل واقع داخلي يزداد اضطراباً، حيث تعاني البلاد من تصدعات أمنية واقتصادية بنيوية، فإقليم “أمهرا” ما زال يعيش حالة صراع مفتوح مع القوات الفيدرالية، بينما يرزح إقليم “أوروميا” تحت وطأة تمرد مستمر متبوع بقمع أمني مكثف.
وفي الشمال، تشير التقارير إلى أن إقليم “تيغراي” بات ينجرف مجدداً نحو مواجهة جديدة، مما يهدد بنسف الهشاشة الأمنية التي تلت الصراعات السابقة.
وبدلاً من اتخاذ مسارات المصالحة السياسية الوطنية لمعالجة هذه الأزمات المتراكمة، اختار النظام الحالي تعزيز سياسات التسلح والسيطرة المركزية المشددة.
وقد رافق ذلك حملات دعاية حكومية منظمة تهدف إلى حشد الدعم حول “مركزية الدولة”، حتى مع تفاقم موجات النزوح القسري، وتعمق التجزئة الاجتماعية التي باتت تهدد نسيج البلاد.
الاقتصاد: حافة الانهيار
على الصعيد المعيشي، تضغط الأزمات الاقتصادية الخانقة على كاهل المواطن الإثيوبي البسيط؛ إذ أدى الارتفاع الفاحش في تكاليف المعيشة إلى جعل الحياة اليومية لا تُطاق، في ظل تآكل القوة الشرائية وتراجع الخدمات العامة.
هذا الوضع الاقتصادي المتردي يمثل وقوداً إضافياً للاحتقان الاجتماعي، ويضع الحكومة الفيدرالية أمام تحديات وجودية لا يمكن تجاوزها بالخطاب السياسي وحده.
تداعيات جيوسياسية: إثيوبيا كمركز للأزمات الإقليمية
إن التوقعات بولاية جديدة لآبي أحمد لا تعد مؤشراً على الاستقرار الوطني فحسب، بل تُقرأ في العواصم الإقليمية كتحذير من “عدم استقرار مطول” سيترك تداعياته على منطقة القرن الأفريقي بأكملها.
فقد تدهورت العلاقات مع الجارة إريتريا بعد انهيار التعاون الوثيق الذي ميز مرحلة ما بعد الحرب، وتصاعدت التوترات مع السودان وسط نزاعات حدودية مستمرة وعدم استقرار سياسي.
إلى جانب ذلك، تستمر المنافسة المحتدمة مع مصر حول “سد النهضة” ومياه النيل، وهو الملف الذي أضحى ورقة استراتيجية في التجاذبات الإقليمية. إن انشغال إثيوبيا بصراعاتها الداخلية، بالتوازي مع هذه التوترات الخارجية، يهدد بتحويل الدولة إلى “مركز للأزمات الإقليمية”، مما قد يدفع دول الجوار للاستعداد لعواقب وجود دولة إثيوبية أكثر تسلحاً وأقل استقراراً.
خطر التجزئة والسيناريوهات القادمة
في المحصلة، يعاني العقد الاجتماعي بين الحكومة الفيدرالية والمجتمعات العرقية الرئيسية من تآكل مستمر.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، تواجه إثيوبيا خطر التجزئة الأعمق، حيث يرى محللون أن ولاية أخرى لحكم آبي أحمد قد لا تحمل في طياتها حلولاً للأزمات، بل قد تزيد من حدة الاستقطاب الداخلي.
ومع استعداد الدول المجاورة لمواجهة تبعات هذا الواقع الجديد، يبقى السؤال مطروحاً: هل يمكن لهذه الانتخابات أن تكون بداية لمرحلة جديدة، أم أنها ستكون مجرد محطة أخرى في طريق إثيوبيا نحو مستقبل أكثر تعقيداً وضبابية؟
إن المرحلة القادمة ستختبر قدرة السلطة في أديس أبابا على تجنب الانزلاق نحو سيناريوهات التفتت، وسط مطالبات داخلية وخارجية بضرورة التغيير والاتجاه نحو حوار وطني شامل يتجاوز سياسات السيطرة والتفرد بالسلطة.










