لبنان يكثّف تحركاته الدبلوماسية وسط مخاوف من استهداف مدينة تاريخية ذات إرث عالمي في جنوب البلاد
بيروت – المنشر الإخبارى
تتصاعد التحذيرات اللبنانية والدولية من خطر تعرّض مدينة صور في جنوب لبنان لأضرار جسيمة قد تهدد معالمها التاريخية المدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية على مناطق متفرقة من الجنوب اللبناني، وما تسببه من دمار واسع في البنية التحتية والأحياء السكنية والمواقع ذات القيمة الأثرية.
وفي هذا السياق، حذرت جهات رسمية لبنانية ودولية من أن استمرار العمليات العسكرية في محيط مدينة صور قد يؤدي إلى “محو تدريجي” لمعالم حضارية تمتد جذورها لآلاف السنين، تعود إلى الحضارة الفينيقية والرومانية، ما يثير قلقاً متزايداً بشأن مستقبل أحد أهم المواقع التاريخية في شرق المتوسط.
مواقف لبنانية رسمية وتحركات دبلوماسية
رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، وصف الغارات المتواصلة على منطقتي صور والنبطية بأنها “غير مبررة وترقى إلى مستوى العقاب الجماعي”، مؤكداً أن الدولة اللبنانية تواصل جهودها السياسية والدبلوماسية من أجل وقف فوري لإطلاق النار وحماية المدنيين والمواقع التاريخية.
وفي تصريح رسمي، شدد سلام على أن الاعتداءات التي تطال المناطق الجنوبية لا تهدد فقط السكان الآمنين، بل تمتد لتطال “الإرث الإنساني والتاريخي الذي يشكل جزءاً من هوية لبنان الثقافية”، مؤكداً أن الدولة “لن تقبل المساس بالسيادة أو التراث تحت أي ظرف”.
وأضاف أن لبنان متمسك بضرورة التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، إلى جانب الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، مشيراً إلى أن هذا “واجب وطني لا يمكن التراجع عنه”.
تحركات وزارة الخارجية اللبنانية
من جهتها، أدانت وزارة الخارجية اللبنانية بشدة استمرار القصف على مدينة صور ومحيطها، معتبرة أن استهداف مناطق مصنفة ضمن التراث العالمي يمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين والأعراف الدولية.
وأوضحت الوزارة أن وزير الخارجية يوسف رجي يتابع التطورات “بألم بالغ وقلق عميق”، ويجري سلسلة اتصالات مع عدد من العواصم الدولية والمنظمات المعنية، في محاولة لحشد موقف دولي ضاغط على إسرائيل لوقف العمليات العسكرية في المناطق التاريخية والسكنية.
وأكدت الخارجية اللبنانية أن مدينة صور ليست مجرد منطقة جغرافية، بل تمثل “ذاكرة حضارية عالمية”، لما تحتويه من آثار فينيقية ورومانية نادرة، تجعلها واحدة من أقدم المدن المأهولة في التاريخ الإنساني.
مخاوف من تضرر مواقع تراثية عالمية
مدينة صور، المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، تُعد واحدة من أبرز المدن التاريخية في لبنان، وتضم مواقع أثرية تعود إلى عصور مختلفة، من بينها آثار فينيقية، رومانية، ومواقع بحرية وأبراج تاريخية.
وتحذر تقارير ثقافية وأثرية من أن استمرار القصف في محيط المدينة قد يؤدي إلى أضرار غير قابلة للإصلاح في هذه المعالم، ما قد يهدد بفقدان جزء كبير من الهوية التاريخية للمنطقة.
كما تشير جهات دولية إلى أن أي استهداف مباشر أو غير مباشر لمواقع مدرجة على قائمة اليونسكو يعد انتهاكاً خطيراً للاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي في أوقات النزاع المسلح.
تصعيد ميداني ونزوح متزايد
ميدانياً، وسّع الجيش الإسرائيلي نطاق إنذارات الإخلاء القسري لتشمل أحياء جديدة داخل مدينة صور، إضافة إلى مناطق محيطة بها في قضاء النبطية، ما تسبب في موجات نزوح كبيرة باتجاه مناطق أكثر أمناً في الداخل اللبناني.
وبحسب مصادر محلية، فإن الغارات الجوية استهدفت خلال الأيام الأخيرة مواقع متعددة في الجنوب، ما أدى إلى تدمير عدد من المباني السكنية والمنشآت المدنية، وسط حالة من الذعر بين السكان.
وترافق ذلك مع استمرار التحذيرات الإسرائيلية للسكان بضرورة مغادرة بعض المناطق، الأمر الذي فاقم من الأزمة الإنسانية ورفع من حجم النزوح الداخلي في الجنوب اللبناني.
البعد الدولي ومخاوف اليونسكو
على الصعيد الدولي، تتزايد الدعوات من منظمات حقوقية وثقافية إلى ضرورة تحييد المواقع الأثرية والتاريخية عن أي عمليات عسكرية، خاصة تلك المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي.
وتشير هذه المنظمات إلى أن استهداف أو تضرر مواقع مثل مدينة صور لا يمثل خسارة محلية فقط، بل هو خسارة للتراث الإنساني المشترك، لما تحتويه من قيمة تاريخية فريدة تمتد لآلاف السنين.
كما تؤكد أن حماية التراث الثقافي في مناطق النزاع باتت تحدياً متزايداً في ظل تصاعد الحروب في الشرق الأوسط، داعية إلى تدخل دولي عاجل لضمان عدم تكرار سيناريوهات تدمير مواقع أثرية كما حدث في مناطق نزاع أخرى.
مخاوف من تصعيد أوسع
وفي ظل استمرار العمليات العسكرية، يخشى مراقبون من أن يؤدي التصعيد في جنوب لبنان إلى توسع دائرة المواجهة، ما قد ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار الإقليمي، خاصة في منطقة حساسة ترتبط بحدود متعددة وتداخلات جيوسياسية معقدة.
كما يحذر محللون من أن استمرار استهداف مناطق مدنية وأثرية قد يزيد من الضغوط الدولية على الأطراف المعنية، ويدفع باتجاه تحركات دبلوماسية أكثر صرامة خلال الفترة المقبلة.
بين التحذيرات الرسمية اللبنانية والنداءات الدولية، تبدو مدينة صور اليوم في قلب أزمة مركبة تجمع بين البعد الإنساني والثقافي والسياسي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تتحول واحدة من أقدم مدن العالم إلى ساحة دمار تفقد معها جزءاً كبيراً من تاريخها الممتد عبر آلاف السنين.
ومع استمرار التوترات في الجنوب اللبناني، يبقى مستقبل المدينة ومواقعها الأثرية مرهوناً بتطورات ميدانية ودبلوماسية قد تحدد مصير أحد أهم رموز التراث الإنساني في المنطقة.











