السيناتور الأميركي الذي فقد والديه صغيرًا وتولى رعاية شقيقته قبل أن يصبح أحد أبرز المدافعين عن إسرائيل يرحل تاركًا خلفه مسيرة سياسية مثيرة للجدل
واشنطن – المنشر الإخباري
رحل السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، أحد أكثر الشخصيات نفوذًا داخل الحزب الجمهوري وأحد أبرز الأصوات المدافعة عن إسرائيل في واشنطن، بعد مسيرة سياسية طويلة جمعت بين قصة صعود استثنائية بدأت من ظروف قاسية، ونفوذ واسع جعله لاعبًا أساسيًا في ملفات الأمن القومي والسياسة الخارجية الأميركية.
وفاة غراهام أثارت موجة من ردود الفعل داخل الولايات المتحدة وخارجها، خصوصًا في إسرائيل، حيث اعتبره حلفاؤه أحد أقوى المدافعين عن العلاقات الأميركية الإسرائيلية، بينما ظل اسمه مثار جدل بسبب مواقفه المتشددة تجاه إيران والصراعات في الشرق الأوسط.
وقال السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، في مقال تأبيني، إن غراهام لم يكن مجرد شخصية سياسية، بل كان “صديقًا حقيقيًا” لأكثر من عقدين، مشيرًا إلى أن رحيله كان صعبًا لأن السيناتور الراحل كان معروفًا بحيويته وحضوره القوي.
وأضاف هاكابي أن قصة حياة غراهام كانت نموذجًا لما يسمى بـ”الحلم الأميركي”، إذ انتقل من حياة مليئة بالتحديات إلى واحدة من أعلى مراتب السلطة السياسية في الولايات المتحدة.
بداية صعبة.. فقدان الوالدين وتحمل مسؤولية الأسرة
لم يولد ليندسي غراهام في عالم النفوذ والسلطة، بل نشأ في ظروف اقتصادية متواضعة بولاية ساوث كارولينا. كانت عائلته تدير حانة وقاعة ألعاب، وكان يعمل بعد ساعات الإغلاق في تنظيف المكان والمساعدة في إدارة أعمال الأسرة.
لكن حياته شهدت تحولًا مأساويًا عندما فقد والديه خلال فترة قصيرة، وهو لم يتجاوز 21 عامًا، ليجد نفسه أمام مسؤولية كبيرة تجاه شقيقته الصغيرة.
وبحسب المقربين منه، كان بإمكان غراهام أن يختار طريقًا أسهل، لكنه قرر تحمل المسؤولية، فالتحق بالقوات الجوية الأميركية من أجل الحصول على راتب ثابت، ثم اتخذ خطوة قانونية بتبني شقيقته حتى لا تدخل نظام الرعاية الاجتماعية.
هذه التجربة المبكرة شكلت شخصيته، وجعلته يولي اهتمامًا كبيرًا لقضايا الجيش والخدمة العامة والمسؤولية الوطنية طوال مسيرته السياسية.
من الخدمة العسكرية إلى مقاعد الكونغرس
بعد سنوات من الدراسة، حصل غراهام على شهادة في القانون، وواصل مسيرته العسكرية داخل القوات الجوية الأميركية، حيث خدم لمدة 33 عامًا ضمن الاحتياط ووصل إلى رتبة عقيد.
وبعد تجربته العسكرية، انتقل إلى العمل السياسي، حيث انتُخب عضوًا في مجلس النواب الأميركي، قبل أن يصبح عضوًا في مجلس الشيوخ ممثلًا عن ولاية ساوث كارولينا.
وخلال وجوده في الكونغرس، تمكن غراهام من بناء نفوذ واسع، وأصبح واحدًا من أبرز الجمهوريين في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية، كما عُرف بقدرته على التواصل مع مختلف التيارات السياسية رغم الخلافات الحادة.
إسرائيل.. التحالف الذي دافع عنه حتى النهاية
ارتبط اسم ليندسي غراهام بشكل وثيق بدعمه القوي لإسرائيل، حيث كان من أبرز السياسيين الأميركيين الذين دافعوا عن استمرار التحالف بين واشنطن وتل أبيب.
وكان غراهام يرى أن أمن إسرائيل يمثل جزءًا أساسيًا من الأمن الأميركي، ودافع باستمرار عن تقديم الدعم العسكري والسياسي لها، خصوصًا خلال الأزمات التي شهدتها المنطقة.
وقال هاكابي إن غراهام كان يؤمن بأن أعداء إسرائيل يمثلون تهديدًا للمصالح الأميركية، وإنه اعتبر العلاقة بين البلدين تحالفًا استراتيجيًا لا يمكن التخلي عنه.
لكن مواقفه تجاه إسرائيل والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط جعلته شخصية مثيرة للانقسام، إذ انتقده خصومه واتهموه بتبني سياسات تصعيدية، خاصة في التعامل مع إيران والجماعات المسلحة.
في المقابل، رأى مؤيدوه أنه كان يؤمن بسياسة الردع، وأن إظهار القوة العسكرية هو وسيلة لمنع اندلاع الحروب وليس إشعالها.
علاقات قوية داخل واشنطن
خلال مسيرته السياسية، نجح غراهام في بناء شبكة واسعة من العلاقات داخل الحزب الجمهوري وخارجه، وكان معروفًا بقدرته على التفاوض والوصول إلى حلول وسط في القضايا المعقدة.
وكان من المقربين إلى السيناتور الراحل جون ماكين والسيناتور جو ليبرمان، حيث شكل الثلاثة تحالفًا سياسيًا غير رسمي عرف باسم “الثلاثة أصدقاء”، وكانوا من الأصوات المؤثرة في ملفات السياسة الخارجية الأميركية.
ورغم مواقفه القوية، وصفه أنصاره بأنه سياسي قادر على الاستماع للآخرين، ولم يكن يعتمد فقط على الظهور الإعلامي، بل كان يفضل العمل خلف الكواليس لبناء التحالفات.
شخصية سياسية مثيرة للجدل
لم يكن غراهام بعيدًا عن الانتقادات، فقد واجه اتهامات من خصومه بأنه يدعم التدخلات العسكرية الأميركية بشكل مفرط، خصوصًا في الشرق الأوسط.
كما تعرض لانتقادات من بعض الجمهوريين أنفسهم عندما اتخذ مواقف اعتبرها البعض مخالفة للتيار المحافظ داخل الحزب.
لكن هذه الانتقادات لم تمنعه من الحفاظ على شعبيته في ولايته، حيث أعيد انتخابه مرات عدة، وظل أحد أبرز ممثلي ساوث كارولينا في واشنطن.
إرث بين الإشادة والانتقاد
يرحل ليندسي غراهام تاركًا خلفه إرثًا سياسيًا معقدًا؛ فأنصاره يرونه رجل دولة دافع عن الولايات المتحدة وحلفائها، بينما يعتبره منتقدوه نموذجًا للسياسيين الذين دفعوا باتجاه سياسات خارجية أكثر تشددًا.
لكن الجميع يتفق على أن غراهام كان شخصية مؤثرة تركت بصمة واضحة في السياسة الأميركية خلال العقود الماضية.
وقال هاكابي إن الولايات المتحدة فقدت “رجل دولة حقيقيًا”، وإن إسرائيل فقدت واحدًا من أقوى المدافعين عنها داخل واشنطن، بينما فقدت ساوث كارولينا سياسيًا ترك أثرًا كبيرًا في تاريخها.
وبعيدًا عن الخلافات السياسية حول مواقفه، تبقى قصة صعود ليندسي غراهام من شاب فقد والديه وتحمل مسؤولية أسرته إلى أحد أبرز السياسيين في الولايات المتحدة واحدة من أكثر القصص اللافتة في الحياة السياسية الأميركية الحديثة.










