كشفت دراسة حديثة للمعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديموغرافية (INED) عن تراجع حاد في معدلات المواليد بدول المغرب العربي، محذرة من مخاطر الشيخوخة السكانية وتأثيرها على أنظمة التقاعد والاقتصاد في تونس والمغرب والجزائر.
باريس –كشفت دراسة حديثة وشاملة صادرة عن “المعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديموغرافية” (INED)، أن دول المغرب العربي (تونس، المغرب، والجزائر) تمر بمرحلة انتقالية ديموغرافية حادة، تتسم بتراجع متسارع وغير مسبوق في معدلات المواليد، وهو ما يضع هذه الدول أمام تحديات اقتصادية واجتماعية هيكلية قد تعيد صياغة مستقبلها خلال العقود القليلة القادمة.
من الانفجار السكاني إلى “نقص الخصوبة”
تستعرض الدراسة مسارا تاريخيا لافتا، فبعد أن كانت دول المنطقة تعرف في سبعينيات القرن الماضي بمعدلات خصوبة مرتفعة جدا تتراوح بين 7 و8 أطفال لكل امرأة، انكسر هذا المنحنى بشكل دراماتيكي.
وتحتل تونس اليوم صدارة هذا التحول، حيث انخفض معدل الخصوبة فيها إلى 1.53 طفل لكل امرأة، وهو رقم يقل بشكل حاد عن “مستوى الإحلال” المطلوب للحفاظ على ثبات السكان (2.1 طفل لكل امرأة)، مع رصد انخفاض سنوي في أعداد المواليد الجدد بنسبة تقارب 10%.
أما في المغرب، فقد وصل معدل الخصوبة إلى أدنى مستوياته التاريخية عند 1.97 طفل لكل امرأة، مواصلا مسارا تنازليا بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي دون توقف.
وفي الجزائر، ورغم أن المؤشرات لا تزال تسجل معدلا أعلى نسبيا يبلغ 2.61 طفل، إلا أن الدراسة تؤكد أن “الاستثناء الجزائري” قد انتهى؛ إذ بدأ المنحنى يسلك طريق الهبوط السريع بعد فترة انتعاش ديموغرافي شهدتها البلاد بين عامي 2000 و2017.
أسباب التغيير: نمط حياة مختلف
وتعزو الدراسة هذا التحول الجذري إلى تغييرات بنيوية في المجتمع المغاربي، أبرزها تأخر سن الزواج حيث تزايد متوسط سن الزواج لدى الجنسين، مما يقلص “نافذة الخصوبة”.
والتوسع الكبير في تعليم النساء ومشاركتهن في الحياة العامة والمهنية، وتأخر دخول الشباب إلى سوق العمل، وصعوبات الاستقرار المادي التي تثني الأسر عن الإنجاب، والانتشار الواسع والقبول المجتمعي لوسائل تنظيم الأسرة.
الشيخوخة وضغوط الاقتصاد
وحذرت الدراسة من أن التداعيات لن تقف عند حدود الأرقام، بل ستطال صلب استدامة النظم الاجتماعية. ففي تونس، بلغت نسبة كبار السن 17% من إجمالي السكان، مع توقعات بأن تشهد الجزائر والمغرب مسارا مماثلا في القريب العاجل.
هذه “الشيخوخة السكانية” تفرض ضغوطا خانقة على أنظمة التقاعد التي تعتمد على مساهمات العمال الشباب، إذ يعني تقلص القاعدة الشابة مقابل تضخم قاعدة المتقاعدين عجزا ماليا وشيكا.
كما أن العبء الصحي سيتحول من علاج الأمراض المعدية أو حالات الطوارئ إلى الحاجة لنظم رعاية مكثفة ومكلفة لعلاج الأمراض المزمنة المرتبطة بالشيخوخة.
النمو الاقتصادي في مهب الريح
اقتصاديا، دقت الدراسة ناقوس الخطر من احتمال انكماش قوة العمل؛ فتقلص عدد الداخلين الجدد لسوق العمل سيؤدي بالضرورة إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، خاصة في القطاعات التي تعتمد على كثافة العمالة.
كما فندت الدراسة فكرة أن تكون “الهجرة” طوق نجاة، موضحة أن دول المغرب العربي تظل مناطق مصدرة للسكان، مما يعني أنها لن تستفيد من تعويض النقص السكاني عبر هجرة الوافدين، بل على العكس، قد تعاني من فقدان كفاءاتها الشابة لصالح الخارج، مما يسرع وتيرة الشيخوخة ويضعف الهيكل الديموغرافي للبلدان الثلاثة.
تضع هذه المعطيات صناع القرار في دول المغرب العربي أمام ضرورة مراجعة سياساتهم الاجتماعية والاقتصادية، للانتقال من سياسات “تحديد النسل” التي سادت عقودا، إلى البحث عن حلول مبتكرة للتعامل مع “مجتمع المسنين” في ظل موارد محدودة، وهو تحد يرى خبراء المعهد أنه قد يكون الأهم في القرن الحادي والعشرين لهذه الدول.









