في وقت ينشغل فيه العالم بؤر الصراعات الإقليمية والحروب النظامية المتصاعدة، تشهد أروقة التنظيمات الجهادية العابرة للحدود تحركات صامتة لإعادة ترتيب البيت الداخلي.
وتكشف تقارير استخباراتية متطابقة، مدعومة ببيانات فرق المراقبة التابعة للأمم المتحدة ومراكز أبحاث الأمن الدولي لعامي 2025 و2026، عن مساعٍ حثيثة يقودها زعيم تنظيم القاعدة، المصري المخضرم “سيف العدل”، لإعادة بناء المنظمة بهدوء، مستهدفاً إحياء الروابط التشغيلية والاتصالات بين القيادة المركزية والفروع الإقليمية المنتشرة في الشرق الأوسط، وإفريقيا، وجنوب آسيا.
الانتقال الميداني وإحياء قنوات الاتصال
منذ مقتل الزعيم السابق للتنظيم أيمن الظواهري في غارة أميركية بطائرة مسيرة في العاصمة الأفغانية كابول في يوليو 2022، انتهج تنظيم القاعدة استراتيجية قائمة على “الإنكار الصامت” والصبر العملياتي.
ولم يُعلن التنظيم رسمياً عن تنصيب سيف العدل أميراً له، وذلك تفادياً للحرج السياسي مع حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان، ونظراً للحساسيات الأمنية المرتبطة بموقع العدل وإقامته الطويلة السابقة في إيران.
ومع ذلك، تشير التقييمات الاستخباراتية الحديثة إلى تحول ميداني بارز؛ حيث انتقل عدد من كبار قادة الرعيل الأول للقاعدة من إيران إلى أفغانستان بعد عام 2022. هذا الانتقال الجغرافي منح القيادة العليا مساحة أرحب للتحرك وفرصاً جديدة للتنسيق المباشر عبر الشبكة العالمية.
وتتركز جهود الإدارة الجديدة حالياً على تعزيز الروابط بين ثلاثة فروع رئيسية: تنظيم القاعدة في جزيرة العرب (AQAP) في اليمن، وتنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية (AQIS) في جنوب آسيا، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.
إبراهيم البنا.. مهندس التماسك الجديد
ضمن خطة إعادة الهيكلة وتجاوز الضربات القاسية التي تلقتها القيادة المركزية، برز اسم “إبراهيم البنا” (المعروف بأبو أيمن المصري) كلاعب محوري في الاستراتيجية الجديدة، البنا، وهو عضو مؤسس في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب ورئيس سابق لجهاز الأمن والاستخبارات فيه، يمتلك روابط تاريخية وثيقة بحركة الجهاد الإسلامي المصرية والقيادات التاريخية للتنظيم.
وتؤكد التقارير أن البنا كُلّف رسمياً بتسهيل وتعزيز قنوات الاتصال والروابط التشغيلية بين “القاعدة الأم” والفروع الإقليمية.
وبفضل خبرته الأمنية الطويلة، تحول البنا إلى وسيط رئيسي لضمان تدفق التوجيهات الاستراتيجية والدعم الدعائي واللوجستي، محاولاً إعادة التماسك العابر للجبهات في وقت تراجع فيه الضغط الدولي المركز على مكافحة الإرهاب لصالح الصراعات الجيوسياسية الكبرى.
معضلة “حركة الشباب” ومسار الاستقلالية
على الرغم من النجاحات النسبية التي يحققها التنظيم في الساحل الإفريقي وجنوب آسيا، فإن العلاقة مع “حركة الشباب المجاهدين” في الصومال وشرق إفريقيا تمثل التحدي الأكبر والأكثر ديناميكية أمام طموحات سيف العدل.
حركة الشباب، التي بايعت القاعدة رسمياً في عام 2012، تُصنف اليوم كأحد أكبر فروع التنظيم، وأغناها مالياً، وأكثرها فاعلية ميدانية بآلاف المقاتلين وشبكات الجباية الواسعة.
لكن الملاحظين في مركز مكافحة الإرهاب في “ويست بوينت” ومجلة “الحرب الطويلة” يرصدون تحولاً تدريجياً في سلوك الحركة، فقد أدى غياب القادة المخضرمين الذين حافظوا على قنوات اتصال وثيقة وشخصية مع قيادة الشباب لفترات طويلة—مثل أيمن الظواهري، وأبو محمد المصري، وأبو يحيى الليبي—إلى إضعاف الرابط الإداري المباشر.
وتشير السلوكيات الإعلامية لحركة الشباب، التي تجنبت منذ فترة طويلة التأكيد على صلتها العضوية بالقاعدة المركزية في رسائلها العامة، إلى أنها باتت ترى نفسها منظومة مكتفية ذاتياً وتطورت إلى ما هو أبعد من الاعتماد على “قيادة خراسان”.
ويثير هذا الصمت تكهنات متزايدة داخل الدوائر الأمنية حول ما إذا كانت الحركة تحت قيادة أحمد ديري ستبقى موالية لسيف العدل، أم أنها تتجه نحو مسار استراتيجي أكثر استقلالية يركز على الأجندة المحلية الإقليمية في القرن الإفريقي، محتفظة برابط رمزي وأيديولوجي فقط دون الخضوع للإملاءات العملياتية المركزية.
ملامح خريطة القاعدة في 2026
تظهر المراجعة الشاملة لشبكة القاعدة لعام 2026 أن القيادة المركزية، رغم ضعف بنية قيادتها العليا واختبائها في الملاذات الآمنة، أظهرت مرونة وصموداً عبر اعتماد نموذج “الامتياز التجاري الرقمي والميداني”.
فالمركز يتخلى طواعية عن السيطرة اللصيقة على التفاصيل العسكرية اليومية لصالح منح الفروع حرية الحركة واستغلال النزاعات المحلية والأزمات الاقتصادية الإقليمية.
بينما تظل القدرة على شن هجمات خارجية كبرى في العمق الغربي هدفاً بعيد المدى ومصدر قلق للأجهزة الأمنية،خاصة عبر خلايا تنظيم جزيرة العرب، فإن تركيز الشبكة الحالي ينصب بوضوح على البقاء، وتوسيع النفوذ الصامت، وإعادة بناء النواة الصلبة للاتصالات الدولية. إنها استراتيجية جهادية صبورة ومتكيفة، تستغل تراجع الاهتمام الدولي لملمة الصفوف وترميم الشروخ التي أحدثتها سنوات الحرب الطويلة ضد الإرهاب.










