أديس أبابا – تواجه إثيوبيا فصلا جديدا من فصول التوترات المجتمعية والأمنية المتصاعدة، حيث أفادت مصادر كنسية بارزة ومسؤولون محليون بمقتل ما لا يقل عن 37 مدنيا من المسيحيين الأرثوذكس، في موجة عنف وحشية جديدة اجتاحت منطقة “أرسي” التابعة لإقليم أوروميا المضطرب.
وتأتي االهجمات التي استهدفت المسيحيين الأرثوذكس في “أرسي” لتثير مخاوف محلية ودولية متجددة بشأن سلامة الأقليات الدينية والمدنيين، وتضع الأوضاع الأمنية في إثيوبيا على حافة منزلق خطير يتزامن مع الاستحقاقات السياسية الحساسة.
ووفقا للتقارير الرسمية والوثائقية التي تلقتها الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية، فإن الهجمات الممنهجة وقعت في منطقة “كيبيلي تيفا” التابعة لمقاطعة “أليكو تيليتا”.
وأشارت المصادر إلى أن الشرارة الأولى استهداف المسيحيين الأرثوذكس في “أرسي” بدأت بالتزامن مع ليلة الانتخابات العامة في إثيوبيا 1 يونيو 2026، مستغلة انشغال الأجهزة الأمنية بالعملية الانتخابية،
وأعرب مسؤولو الكنيسة عن قلقهم البالغ من إمكانية ارتفاع حصيلة الضحايا بشكل ملحوظ خلال الساعات القادمة، نظرا لوجود عدد كبير من السكان المفقودين الذين لا يزال مصيرهم مجهولا حتى الآن ولم يتم العثور عليهم أو حصرهم.
استهداف ممنهج للمقدسات والقرى
لم تكن الهجمات مجرد اشتباكات عشوائية، بل كشفت التقارير عن استهداف مباشر ومنظم للمجتمعات المسيحية ومواضع العبادة التاريخية.
وكان الحادث الأبرز والأكثر إيلاما للمجتمع المحلي هو التدمير الكامل لكنيسة “القديس غابرييل”، وهي كنيسة أرثوذكسية أثرية يتجاوز عمرها قرنا من الزمان، حيث أحرقت بالكامل وتحولت إلى رماد.
وفي هذا الصدد، أرسلت السلطات الكنسية المحلية رسالة عاجلة وشديدة اللهجة إلى البطريركية الأرثوذكسية الإثيوبية في العاصمة، تؤكد فيها حجم الكارثة الإنسانية والمادية وتفصل حجم الهجمات المروعة.
ولم تقتصر الخسائر على الأرواح والمقدسات، بل امتدت لتشمل تهجيرا قسريا واسع النطاق، حيث أفاد مسؤولو الإغاثة الكنسية بتهجير أكثر من 280 أسرة بعد أن هاجمت مجموعات مسلحة القرى الآمنة، وعمدت إلى إحراق المنازل وتهديد المواطنين بالسلاح، خطوة أجبرت آلاف السكان على الفرار هربا بحياتهم إلى الغابات والمناطق المجاورة دون مأوى أو زاد، في وقت وصفت فيه السلطات الدينية الأحداث بأنها هجوم واسع النطاق يهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي قسري وتسبب في خسائر بشرية ومادية لا يمكن تعويضها.
اتساع رقعة الدمار وصمت حكومي
وتوسعت رقعة العنف جغرافيا لتطال عددا كبيرا من المناطق والبلدات المجاورة، حيث سجلت اعتداءات مماثلة في كل من كيبيلي زيديبو وإريتشار مايكل، وسونتي ماريام وبوغدو أبو، ولينشو أدا، جيسو، وديري
وأكد شهود عيان وممثلون عن المتضررين أن المهاجمين قاموا بنهب الممتلكات الشخصية، وسرقة الماشية التي تمثل عصب الحياة الاقتصادية للسكان، وتدمير المحاصيل الزراعية.
وفي حادث منفصل أخر، تعرضت منشأة دينية حيوية تابعة لكنيسة “القديس المخلص” في منطقة “كوري كوف تيلي” لتدمير جزئي وأضرار بالغة، وهي منشأة كانت تستخدم لإقامة الأنشطة الدينية وإيواء الضيوف والزوار.
واستنكرت مصادر كنسية استمرار الهجمات طوال يوم الانتخابات، موجهة انتقادات لاذعة لما وصفته بـ”التباطؤ الشديد والتقاعس” من قبل الأجهزة الأمنية والسلطات المحلية في الاستجابة لنداءات الاستغاثة التي أطلقها الأهالي، مما سمح للمسلحين بالتحرك بحرية وتنفيذ مخططاتهم. وفي المقابل، التزم المسؤولون الحكوميون الصمت ولم يصدر أي تعليق رسمي علني حتى الآن للرد على هذه الاتهامات.
مخاوف من تكرار السيناريو الدامي
من جانبه، أكد الأنبا “أبوني إلساي”، أرشمندريت أبرشيتي أرسي والصومالي جيجيغا، وقوع هذه الفظائع، موضحا أنه قدم تقريرا شاملا وموثقا إلى البطريركية يسرد أسماء الضحايا ويوثق حجم الدمار بالصور والأدلة.
ويأتي هذا الحادث الدامي كحلقة جديدة في سلسلة من الهجمات المأساوية المتكررة التي شهدتها منطقة أرسي وأجزاء أخرى من إقليم أوروميا؛ ففي شهر مارس من العام الجاري 2026، أفادت التقارير بمقتل أكثر من 30 مسيحيا أرثوذكسيا في هجوم مماثل أدى إلى تهجير المئات.
ورغم أن السلطات الاتحادية والإقليمية كانت قد أعلنت في وقت سابق أن عملياتها العسكرية نجحت في إضعاف الجماعات المسلحة، ونفت تماما أن تكون الهجمات مدفوعة بخلفيات عرقية أو دينية، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى عكس ذلك تماما.
وتتزايد اليوم الضغوط الشعبية والدولية المطالبة بفتح تحقيق مستقل وشفاف لضمان محاسبة المتورطين ووقف نزيف الدماء المستمر.










