بروكسل – المنشر_الاخباري
تدرس دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) حزمة دعم عسكري جديدة ضخمة لأوكرانيا قد تصل قيمتها إلى نحو 70 مليار يورو، في خطوة تعكس انتقال الحلف إلى مرحلة أكثر تنظيماً واستدامة في تمويل الحرب، وفق ما كشفه موقع “بوليتيكو” نقلاً عن مصادر دبلوماسية داخل الحلف.
ومن المتوقع أن تُطرح هذه الخطة خلال قمة الناتو المقبلة في أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والاقتصادية داخل الدول الأعضاء بشأن استمرار الدعم المالي والعسكري لكييف، مع دخول الحرب عامها الثالث دون أفق واضح للحسم.
خطة مالية “مركّبة” وليست تمويلاً جديداً بالكامل
بحسب المعلومات المسربة، فإن الحزمة المقترحة لا تعتمد بالكامل على أموال جديدة، بل تقوم على إعادة توزيع مصادر تمويل قائمة بالفعل.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 30 مليار يورو ستأتي من قرض أوروبي سابق بقيمة 90 مليار يورو مخصص لأوكرانيا ضمن برامج الاتحاد الأوروبي، فيما سيتم توفير 40 مليار يورو إضافية من خلال مساهمات ثنائية من الدول الأعضاء في الناتو، كل بحسب قدراته الاقتصادية والسياسية.
هذا النموذج يعكس محاولة لتقليل العبء المباشر على بعض الدول الأوروبية التي تواجه تحديات داخلية متزايدة، سواء على مستوى الموازنات العامة أو الرأي العام.
هدف الناتو: دعم طويل الأمد بدل ردود الفعل المؤقتة
مصادر دبلوماسية داخل الحلف أوضحت أن الهدف الأساسي من هذه الخطوة هو ضمان “استمرارية الدعم” لأوكرانيا بدل الاعتماد على حزم طارئة متقطعة، مع إدخال آلية أكثر شفافية في تتبع الإنفاق العسكري.
ويقول مسؤول في الناتو إن الفكرة تقوم على “تحويل الدعم من قرارات ظرفية إلى التزام منظم ومستدام”، بما يضمن عدم تراجع المساعدات في حال تغيرت الظروف السياسية داخل أي دولة عضو.
أولويات أوكرانيا: الدفاع الجوي والمسيّرات والذخائر
من جانبها، شددت السفيرة الأوكرانية لدى الناتو أليونا غيتمنشوك على أن أي دعم جديد يجب أن يركز على الاحتياجات العسكرية الأكثر إلحاحاً على الأرض.
وتشمل هذه الأولويات:
- تعزيز منظومات الدفاع الجوي
- توسيع إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ
- توفير ذخائر بعيدة المدى
- دعم خطوط الإمداد العسكري المستمر
وأكدت أن أوكرانيا ما تزال تعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي، معتبرة أن “الضمانات المالية من الحلفاء هي البديل العملي الوحيد حالياً عن الضمانات الأمنية المباشرة”.
الشفافية… ورقة لتخفيف الانقسام داخل الحلف
ضمن المقترح الجديد، يعمل الناتو على إدخال آلية أكثر صرامة لمراقبة وتوثيق تدفق الأموال إلى أوكرانيا، في محاولة لطمأنة الدول المتحفظة على حجم الإنفاق المتزايد.
ويهدف هذا الإجراء إلى الحد من الخلافات بين الدول الأعضاء، خصوصاً بين دول تدفع باتجاه تعزيز الدعم العسكري بسرعة، وأخرى ترى ضرورة ربط التمويل بنتائج واضحة على الأرض ومعايير رقابة أكثر دقة.
انقسام داخل الناتو تحت ضغط الحرب الطويلة
تظهر النقاشات داخل الحلف أن الحرب في أوكرانيا لم تعد تُدار كأزمة قصيرة الأمد، بل كصراع استنزاف طويل يتطلب إعادة هندسة كاملة لآليات الدعم.
وفي المقابل، تواجه حكومات غربية ضغوطاً داخلية متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وتزايد الانتقادات الشعبية لاستمرار الإنفاق العسكري الخارجي.
هذا الواقع يضع صناع القرار أمام معادلة معقدة: الاستمرار في دعم كييف دون إثارة أزمات سياسية داخلية.
قمة أنقرة… اختبار لوحدة القرار الغربي
القمة المرتقبة في أنقرة ستكون اختباراً جديداً لوحدة الناتو، في وقت تتباين فيه أولويات الدول الأعضاء بشكل متزايد.
فبينما ترى دول شرق أوروبا أن أي تراجع في الدعم سيشجع موسكو، تدعو بعض العواصم الغربية إلى إدارة أكثر حذراً للحرب، تفادياً للتصعيد المباشر مع روسيا.
نحو “مأسسة” الحرب
المقترح الجديد يعكس تحولاً مهماً في نهج الحلف، من الاستجابة اللحظية للأحداث إلى محاولة مأسسة الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا ضمن إطار طويل الأمد.
وبحسب مراقبين، فإن هذه الخطوة قد تعني أن الناتو بات يتعامل مع الحرب باعتبارها صراعاً ممتداً، وليس أزمة مؤقتة قابلة للحل السريع.
إذا تم إقرار حزمة الـ70 مليار يورو، فستكون واحدة من أكبر الالتزامات المالية للناتو منذ بداية الحرب، وستعكس تحولاً استراتيجياً في طريقة إدارة الحلف للأزمة الأوكرانية، بين ضرورة دعم كييف من جهة، والحفاظ على تماسك الدول الأعضاء من جهة أخرى، في حرب باتت اختباراً طويل الأمد لقدرة الغرب على الاستمرار.










