تقرير تحليلي موسّع لموقع المنشر_الاخباري يكشف حجم الاستنزاف غير المسبوق في الذخائر الأميركية الدقيقة وأنظمة الدفاع الجوي خلال حرب استمرت 40 يوماً، وتأثير ذلك على ميزان الردع العالمي
طهران – المنشر الاخبارى
يكشف هذا التقرير التحليلي الموسّع عن حجم الاستنزاف الكبير الذي تعرّضت له الترسانة العسكرية الأميركية خلال الحرب التي استمرت 40 يوماً ضد إيران، والتي وُصفت بأنها واحدة من أكثر الحملات الجوية تكلفة واستهلاكاً للذخائر الدقيقة في التاريخ العسكري الحديث، سواء من حيث الكلفة المالية أو من حيث التأثير الاستراتيجي طويل الأمد على الجاهزية القتالية للولايات المتحدة.
وبحسب البيانات الواردة في التحليل، فإن الحرب لم تكن مجرد مواجهة تقليدية محدودة، بل تحولت إلى اختبار واسع النطاق لقدرة الجيش الأميركي على تنفيذ عمليات ضربات دقيقة متواصلة ضد أهداف محصنة وموزعة على عمق جغرافي كبير، الأمر الذي استدعى استخداماً مكثفاً للصواريخ بعيدة المدى وأنظمة الاعتراض الدفاعي، بما أدى إلى استنزاف غير مسبوق في مخزونات الذخائر الاستراتيجية.
تشير التقديرات إلى أن الأيام الأولى من العمليات شهدت وحدها استهلاك ما يقارب 5.6 مليارات دولار من الذخائر الموجهة بدقة، وهو رقم يعكس شدة الكثافة النارية المستخدمة في الضربات الأولى، حيث اعتمدت واشنطن على استراتيجية “الصدمة والتفوق الناري” بهدف تعطيل القدرات العسكرية الإيرانية في وقت قصير. غير أن تطور العمليات أظهر أن الأهداف كانت أكثر تحصيناً وتوزيعاً مما كان متوقعاً، ما أدى إلى تمديد العمليات العسكرية وزيادة الاعتماد على الذخائر الثقيلة.
وخلال 40 يوماً من العمليات المتواصلة، تشير التقديرات إلى أن القوات الأميركية نفذت ضربات على أكثر من 13 ألف هدف، وهو رقم ضخم يتطلب استخدام عدة ذخائر لكل هدف في العديد من الحالات، خصوصاً عند استهداف مواقع محصنة أو تحت الأرض أو متصلة بشبكات دفاع جوي متطورة. وقد انعكس ذلك مباشرة على مستويات المخزون الاستراتيجي في الولايات المتحدة، خصوصاً في فئات الصواريخ بعيدة المدى وأنظمة الدفاع الصاروخي.
صواريخ JASSM-ER: الاستنزاف الأكثر حساسية
يُعد نظام AGM-158B JASSM-ER أحد أبرز عناصر القوة الهجومية الأميركية الحديثة، وهو صاروخ كروز بعيد المدى يُستخدم لاختراق الدفاعات الجوية المتقدمة. وبحسب البيانات التي استند إليها التقرير، فقد دخلت الولايات المتحدة الحرب بمخزون يقارب 2300 صاروخ، لكنها استخدمت ما يزيد عن 1100 صاروخ خلال الأسابيع الأولى فقط من القتال.
هذا الاستهلاك يعني عملياً فقدان ما يقارب نصف المخزون التشغيلي في فترة قصيرة جداً، وهو ما يثير مخاوف جدية لدى المخططين العسكريين الأميركيين، خاصة أن هذا النوع من الصواريخ يُعتبر من الذخائر الأساسية في أي مواجهة محتملة في منطقة المحيط الهادئ ضد خصم بحجم الصين.
وتشير التقديرات إلى أن الكلفة المالية لهذه الصواريخ وحدها تجاوزت 1.2 مليار دولار، دون احتساب الكلفة التشغيلية للمنصات الجوية أو الاستخبارات الداعمة. الأهم من ذلك أن الاستخدام الكثيف لهذه الذخائر تم في مسرح عمليات لا يمثل التهديد الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة، ما يطرح تساؤلات حول إدارة الموارد العسكرية في حروب متعددة الجبهات.
توماهوك: سلاح البحرية الذي استُهلك بوتيرة غير مسبوقة
يمثل صاروخ “توماهوك” أحد الأعمدة الأساسية للقدرة البحرية الأميركية على تنفيذ ضربات بعيدة المدى. إلا أن الحرب الأخيرة شهدت استخداماً مكثفاً غير مسبوق لهذا السلاح، حيث تم إطلاق أكثر من 850 صاروخاً في الأسابيع الأولى، لترتفع الأرقام لاحقاً إلى ما يزيد عن 1000 صاروخ.
وباحتساب تكلفة الصاروخ الواحد التي تبلغ نحو 1.87 مليون دولار، فإن إجمالي الكلفة يتجاوز 1.9 مليار دولار، ما يعكس حجم الاستنزاف في مخزون البحرية الأميركية. الأخطر من ذلك أن معدل الإنتاج السنوي لا يتجاوز 200 إلى 300 صاروخ في الظروف الطبيعية، ما يعني أن تعويض هذا النقص سيستغرق عدة سنوات حتى في حال عدم دخول الولايات المتحدة في أي حرب جديدة.
ويشير التحليل إلى أن جزءاً كبيراً من هذا الاستهلاك كان مخصصاً في الأصل لسيناريوهات ردع في منطقة المحيط الهادئ، وليس لحروب الشرق الأوسط، ما أدى إلى إعادة توزيع عاجلة للمخزونات من قواعد أميركية في الداخل والخارج.
الدفاع الجوي: باتريوت وثاد تحت ضغط الاستنزاف
إذا كانت الذخائر الهجومية قد تعرضت لاستنزاف كبير، فإن أنظمة الدفاع الجوي عانت بدورها من ضغط أشد تعقيداً. فقد تم استخدام أكثر من 1200 صاروخ من منظومة “باتريوت PAC-3 MSE” خلال فترة الحرب، وهو ما يمثل أحد أعلى معدلات الاستهلاك في تاريخ النظام.
وبتكلفة تقارب 4 ملايين دولار للصاروخ الواحد، فإن إجمالي الإنفاق على هذا النظام وحده تجاوز 4.8 مليارات دولار. غير أن المشكلة لا تتعلق بالكلفة فقط، بل بسرعة الاستهلاك مقارنة بسرعة الإنتاج، حيث لا يتجاوز الإنتاج السنوي العالمي بضع مئات من الوحدات.
أما نظام “ثاد” الدفاعي، والذي يُعد الطبقة العليا في منظومة الحماية الصاروخية الأميركية، فقد شهد استنزافاً أكثر خطورة، إذ تشير التقديرات إلى فقدان ما بين 52% و81% من المخزون التشغيلي خلال الحرب وما تبعها من عمليات في المنطقة. هذا الرقم، إن صح، يعني أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة نقص حاد في القدرة على اعتراض الصواريخ الباليستية بعيدة المدى في حال نشوب صراع واسع.
وتزداد خطورة الوضع مع تأخر الإنتاج، حيث لا يُتوقع استئناف التسليمات الجديدة قبل عام 2027، بينما قد لا يعود المخزون إلى مستوياته السابقة قبل نهاية العقد.
صواريخ SM-3 وSM-6: استنزاف إضافي للبحرية
إلى جانب باتريوت وثاد، شهدت منظومات الدفاع البحري استهلاكاً كبيراً أيضاً، خصوصاً صواريخ SM-3 وSM-6 المستخدمة في اعتراض الصواريخ الباليستية والمجنحة. وتشير التقديرات إلى استخدام ما بين 16% و60% من المخزون، وهو نطاق واسع لكنه يعكس ضغطاً كبيراً على القدرة الدفاعية للأسطول الأميركي.
وتكمن المشكلة الأساسية هنا في أن هذه الصواريخ تُنتج ضمن سلاسل توريد طويلة ومعقدة، مع فترات تصنيع قد تصل إلى 36 شهراً، ما يجعل إعادة بناء المخزون عملية بطيئة للغاية حتى في أفضل الظروف الصناعية.
الكلفة الإجمالية للحرب: أكثر من 10 مليارات دولار من الذخائر فقط
تشير الحسابات المستندة إلى بيانات الإنتاج والتكلفة إلى أن إجمالي ما تم إنفاقه على الذخائر وحدها يتجاوز 10 مليارات دولار، دون احتساب تكاليف التشغيل أو الدعم اللوجستي أو الأصول الجوية والبحرية المستخدمة في العمليات.
وتشمل هذه التقديرات:
- أكثر من 1.1 مليار دولار لصواريخ JASSM-ER
- نحو 1.9 مليار دولار لصواريخ توماهوك
- حوالي 4.8 مليارات دولار لصواريخ باتريوت
- ما بين 500 مليون و1.5 مليار دولار لذخائر دقيقة أخرى
هذا الاستنزاف الكبير يطرح تساؤلات حول جدوى العمليات مقارنة بنتائجها الاستراتيجية، خصوصاً أن التحليل يشير إلى أن البنية العسكرية الإيرانية الأساسية لم تُدمّر بالكامل، وأن ميزان الردع في المنطقة لم يتغير جذرياً كما كان مخططاً له.
البعد الاستراتيجي: الصين في الخلفية
أحد أهم عناصر التحليل هو أن الذخائر التي تم استهلاكها ليست مخصصة فقط لمسرح الشرق الأوسط، بل تمثل العمود الفقري لأي مواجهة محتملة مع الصين في المحيط الهادئ. فصواريخ JASSM-ER وتوماهوك وأنظمة ثاد وباتريوت تشكل معاً “حزمة الردع الأولى” في أي حرب محتملة حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي.
وبالتالي فإن استهلاك نسبة كبيرة من هذه الذخائر في حرب إقليمية يعني عملياً تقليص القدرة الأميركية على خوض حرب عالية الشدة في أكثر من مسرح في الوقت نفسه.
ويحذر التحليل من أن هذه الفجوة قد تُترجم إلى “نافذة ضعف استراتيجية” تمتد لعدة سنوات، حيث تبقى القدرة الإنتاجية أقل من مستوى الاستهلاك في حال نشوب أي صراع جديد.
الإنتاج العسكري: مشكلة الزمن وليس المال
ورغم أن الولايات المتحدة أعلنت عن خطط لزيادة الإنتاج، بما في ذلك رفع إنتاج بعض الصواريخ إلى آلاف الوحدات سنوياً، فإن المشكلة الأساسية تبقى زمنية وليست مالية. فبناء خطوط إنتاج جديدة، وتأمين سلاسل التوريد، وتدريب العمالة، واختبار الأنظمة، كلها عمليات تستغرق سنوات.
وبحسب تقديرات مراكز أبحاث عسكرية، فإن العودة إلى مستويات المخزون قبل الحرب قد لا تتحقق قبل عام 2028 في أفضل السيناريوهات، بينما قد تمتد في بعض الأنظمة الحيوية حتى عام 2030.
يخلص التقرير إلى أن الحرب ضد إيران لم تكن مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل حدثاً استراتيجياً أدى إلى إعادة تشكيل مؤقتة في ميزان القوى العالمي من خلال استنزاف جزء كبير من الترسانة الأميركية المخصصة للردع ضد خصوم كبار.
ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية هائلة، فإن طبيعة هذا الاستنزاف تشير إلى دخول مرحلة “هشاشة نسبية” في بعض منظوماتها الحيوية، خصوصاً تلك المرتبطة بالحروب عالية الكثافة.
وبينما تعمل واشنطن على إعادة بناء مخزونها، تبقى الحقيقة الأساسية أن الزمن – وليس المال – هو العامل الحاسم في استعادة الجاهزية، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة استراتيجية جديدة تتسم بعدم اليقين وتعدد الجبهات المحتملة.










