تصعيد ميداني قبل التهدئة يرسّخ قواعد اشتباك جديدة جنوب لبنان وسط استمرار الغموض على الحدود
بيروت – المنشر الإخباري
تشهد الساحة الجنوبية في لبنان حالة من الترقب الميداني الحذر، في ظل الحديث عن تفاهمات لوقف إطلاق النار، غير أن وتيرة العمليات العسكرية التي سبقت الإعلان عن التهدئة، وما تلاها من اشتباكات متقطعة، تعكس استمرار حالة عدم الاستقرار، وإصرار حزب الله على فرض معادلات اشتباك جديدة في مواجهة التوغلات الإسرائيلية المحتملة.
وبحسب المعطيات الميدانية والتقارير الصادرة عن الإعلام الحربي التابع للحزب، فإن الأيام والأسابيع الماضية شهدت سلسلة عمليات وُصفت بالدقيقة والمتدرجة، استهدفت آليات وجنوداً إسرائيليين في مناطق متفرقة من الجنوب اللبناني، ضمن ما يبدو أنه تكتيك قائم على الاستنزاف ومنع تثبيت أي نقاط تموضع دائمة داخل الأراضي اللبنانية.
عمليات موثقة بالطائرات المسيرة
أظهرت مقاطع مصورة نشرها حزب الله استخدام طائرات مسيّرة انقضاضية من نوع “أبابيل”، في تنفيذ عمليات استهداف مباشرة ضد مواقع وآليات عسكرية إسرائيلية، حيث أظهرت المشاهد قدرات على المناورة وتجاوز وسائل الحماية الدفاعية، بما في ذلك الشباك المضادة للطائرات المسيّرة والتحصينات الميدانية.
وفي إحدى العمليات التي وثقت في 29 مايو/أيار، تم رصد طائرة مسيّرة تخترق الحدود باتجاه موقع عسكري في محيط مسغاف عام، حيث تمكنت من ملاحقة عنصر إسرائيلي داخل الموقع بعد تجاوز آليات مدرعة وأنظمة حماية.
وفي 3 يونيو/حزيران، وثقت مشاهد أخرى مسيّرة تقطع مسافة طويلة فوق بلدة زوطر الشرقية قبل أن تصطدم بناقلة جند إسرائيلية، رغم وجود تجهيزات حماية مضادة للمسيرات.
كما شملت العمليات استهداف آلية مدفعية داخل موقع عسكري في محيط بلدة العديسة بتاريخ 6 يونيو/حزيران، قبل أن تتكرر الضربات في 9 يونيو/حزيران عبر استهداف آلية مدرعة من نوع “نميرا” داخل مدينة الخيام، في واحدة من أكثر المناطق حساسية على خط التماس.
تصعيد واسع قبل دخول التهدئة
وقبيل الإعلان عن أي تفاهمات لوقف إطلاق النار، شهدت الجبهة الجنوبية تصعيداً مكثفاً بلغ ذروته في يوم واحد وُصف بأنه من الأكثر كثافة منذ بدء المواجهات، حيث أعلنت المقاومة الإسلامية تنفيذ عشرات العمليات خلال 24 ساعة فقط.
وتركزت هذه العمليات على استهداف تجمعات عسكرية وآليات في محاور متعددة، شملت أطراف مجدل زون، ويحمر الشقيف، والقنطرة، والطيبة، وصولاً إلى محيط قلعة الشقيف ومناطق أخرى في القطاع الغربي من الجنوب اللبناني.
كما تحدثت البيانات العسكرية عن استهداف دبابات من نوع “ميركافا”، وآليات هندسية وجرافات عسكرية، إضافة إلى روبوتات ميدانية تستخدم في عمليات الاستطلاع والهندسة العسكرية، وهو ما يعكس توسع نطاق الأهداف من الأفراد إلى المنظومات التقنية الثقيلة.
دفاع جوي واشتباك مع المسيرات
في موازاة الهجمات البرية، أشارت بيانات الحزب إلى تفعيل وحدات الدفاع الجوي في أكثر من مناسبة، حيث تم رصد اعتراض ثلاث طائرات مسيّرة إسرائيلية من نوع “هيرمز 450” في أجواء مناطق جنوبية مثل صيدا وإقليم التفاح، ما أدى إلى إجبارها على مغادرة المجال الجوي اللبناني.
كما تم استهداف مواقع مدفعية إسرائيلية مستحدثة في مناطق حدودية، عبر صواريخ ثقيلة ومسيرات انقضاضية، في إطار ما يبدو أنه محاولة لمنع تثبيت أي بنية نارية دائمة قرب الخط الحدودي.
إفشال محاولات توغل برية
بعد الإعلان عن التهدئة، لم تتوقف الاشتباكات بالكامل، إذ سجلت مناطق حدودية مثل كفرتبنيت اشتباكات مباشرة خلال محاولات توغل إسرائيلية محدودة، بحسب بيانات المقاومة.
وتشير المعطيات إلى أن قوة إسرائيلية تضم جرافة وعدة دبابات حاولت التقدم نحو أطراف البلدة، قبل أن تتعرض لاستهداف بصواريخ موجهة وطائرات مسيّرة، ما أدى إلى انسحابها.
وفي وقت لاحق، أفادت تقارير ميدانية بوصول تعزيزات إسرائيلية إضافية تضم عدة دبابات وآليات، قبل أن تتعرض بدورها لقصف كثيف، ما حول المنطقة إلى ساحة اشتباك مفتوح.
رسائل سياسية وعسكرية
في بيان صدر عقب إعلان التفاهمات الدولية المرتبطة بوقف إطلاق النار، أكد حزب الله أن ما تحقق يمثل “مقدمة لمسار استكمال التحرير”، مشدداً على أن عودة السكان إلى القرى الحدودية وإعادة الإعمار تبقى أهدافاً أساسية.
كما شدد البيان على أن “العودة إلى ما قبل مرحلة التصعيد لم تعد ممكنة”، في إشارة إلى تغيّر قواعد الاشتباك، وإلى أن أي وجود عسكري إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية سيواجه برد عسكري مباشر.
اتفاق هش وغموض ميداني
على الرغم من الحديث عن تهدئة، لا تزال الأوضاع في الجنوب اللبناني توصف بأنها غير مستقرة، في ظل استمرار وجود القوات الإسرائيلية في بعض النقاط الحدودية، وغياب أي جدول زمني واضح للانسحاب.
وتشير تقارير محلية إلى استمرار القصف المدفعي المتقطع في بعض المناطق، ما يعزز المخاوف من أن تكون التهدئة الحالية مؤقتة أو قابلة للانهيار في أي لحظة.
كما تتزامن هذه التطورات مع تصريحات إسرائيلية رسمية تؤكد بقاء القوات في مواقع متقدمة داخل الجنوب اللبناني، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الميداني والسياسي.
معادلة جديدة على الحدود
في ظل هذا الواقع، يرى مراقبون أن العمليات الأخيرة تعكس تحولاً في طبيعة المواجهة على الحدود الجنوبية، حيث لم تعد تقتصر على ردود فعل محدودة، بل أصبحت أقرب إلى استراتيجية منع تموضع طويل الأمد لأي قوة معادية داخل الأراضي اللبنانية.
كما تشير كثافة استخدام الطائرات المسيرة والعمليات المركزة ضد الآليات الثقيلة إلى تطور في التكتيكات العسكرية، يعتمد على الاستهداف الدقيق بدل المواجهة التقليدية المباشرة.
بين التصعيد الميداني المتواصل، والتهدئة غير المكتملة، يبقى جنوب لبنان في حالة انتظار مفتوحة على احتمالات متعددة، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع السياسية، في مشهد يعكس هشاشة الوضع القائم.
وفي ظل استمرار الغموض حول مستقبل الاتفاقات المعلنة، تبقى العمليات الأخيرة مؤشراً على أن قواعد الاشتباك في المنطقة لم تستقر بعد، وأن أي تغيير في المعادلة قد يعيد إشعال المواجهة في أي لحظة.










