تحول في سوق الطاقة الروسية مع ارتفاع الشحنات البحرية رغم تراجع الإنتاج وتضرر قدرات التكرير
موسكو – المنشر_الاخباري
سجلت صادرات روسيا من النفط الخام عبر الشحن البحري ارتفاعاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، لتقترب من مستويات قياسية، في ظل استمرار الضربات الأوكرانية التي تستهدف منشآت التكرير داخل الأراضي الروسية، ما أدى إلى تقليص القدرة المحلية على معالجة الخام ودفع كميات أكبر منه إلى أسواق التصدير العالمية.
وبحسب بيانات تتبع حركة الناقلات التي أوردتها مؤسسات متابعة أسواق الطاقة، بلغ متوسط صادرات النفط الروسي المنقولة بحراً نحو 3.83 ملايين برميل يومياً خلال الأسابيع الأربعة المنتهية في 14 يونيو/حزيران 2026، وهو مستوى مستقر مقارنة بالأسبوع السابق، لكنه يعد الأعلى منذ بداية العام الجاري.
وتشير البيانات إلى أن متوسط تدفقات النفط الروسي منذ بداية عام 2026 بلغ نحو 3.49 ملايين برميل يومياً، متجاوزاً المعدلات السنوية المسجلة في جميع الأعوام منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير/شباط 2022، ما يعكس استمرار قدرة موسكو على الحفاظ على تدفقات صادراتها النفطية رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة.
ضربات أوكرانية تستهدف البنية التكريرية
وتزامن هذا الارتفاع في الصادرات مع تصاعد الهجمات الأوكرانية على منشآت التكرير الروسية، حيث استهدفت كييف خلال الفترة الأخيرة عدداً من المصافي في مناطق متعددة داخل روسيا، بما في ذلك هجمات على منشآت في تتارستان على مسافة تتجاوز 800 كيلومتر شرق موسكو، إضافة إلى استهدافات متكررة لمصفاة في محيط العاصمة الروسية.
وتشير تقديرات إلى أن أوكرانيا استهدفت منذ بداية يونيو/حزيران ما لا يقل عن ست منشآت تكرير روسية، بعد موجة هجمات أوسع خلال شهر مايو/أيار الماضي، وهو ما أدى إلى تعطيل جزئي في قدرات المعالجة المحلية، ودفع المزيد من النفط الخام غير المكرر إلى مسارات التصدير بدل التكرير الداخلي.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس تأثيراً مباشراً للهجمات على هيكل سوق الطاقة الروسية، حيث يؤدي انخفاض القدرة التكريرية إلى زيادة الفائض من الخام الخام غير المعالج، ما يرفع حجم الشحنات المتجهة إلى الأسواق الخارجية، رغم استمرار التحديات المرتبطة بالإنتاج والتسعير والعقوبات الغربية.
مفارقة في سوق النفط الروسية
وتُظهر البيانات الصادرة عن منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” أن إنتاج روسيا من النفط الخام تراجع في مايو/أيار إلى نحو 9.01 ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى له خلال عام كامل، وبفارق يقارب 690 ألف برميل يومياً عن المستهدف ضمن اتفاق “أوبك بلس”.
هذا التراجع في الإنتاج يتزامن مع ارتفاع في الصادرات البحرية، ما يخلق ما يشبه “المفارقة” في سوق النفط الروسية، حيث تنخفض القدرة الإنتاجية والتكريرية داخلياً، بينما تستمر الصادرات في الحفاظ على مستويات مرتفعة، نتيجة تحويل جزء كبير من الخام غير القابل للمعالجة محلياً إلى الأسواق الخارجية.
ويعتمد هذا النمو في الصادرات بشكل كبير على شبكات نقل بحرية معقدة، تشمل ناقلات نفط تعمل في ظروف تشغيل غير تقليدية، إضافة إلى ما يعرف بـ”أسطول الظل” الذي تستخدمه روسيا للالتفاف على سقوف الأسعار والعقوبات الغربية المفروضة منذ بدء الحرب في أوكرانيا.
آسيا الوجهة الأساسية للخام الروسي
وتظل الأسواق الآسيوية الوجهة الرئيسية لصادرات النفط الروسي، حيث تشير البيانات إلى أن الشحنات المتجهة إلى القارة الآسيوية، بما في ذلك تلك التي لا يتم تحديد وجهتها النهائية بشكل واضح، بلغت نحو 3.63 ملايين برميل يومياً خلال الفترة ذاتها.
وتبرز الصين والهند كأكبر مستوردين للخام الروسي، رغم تسجيل تراجع طفيف في الكميات المعلنة، إذ بلغت الصادرات إلى الصين نحو 1.16 مليون برميل يومياً، بينما وصلت الشحنات المتجهة إلى الهند إلى حوالي 860 ألف برميل يومياً.
إلا أن جزءاً من الشحنات، يقدر بنحو 1.6 مليون برميل يومياً، يبقى دون وجهة نهائية معلنة على الناقلات البحرية، ما يفتح الباب أمام احتمال إعادة توجيه هذه الكميات لاحقاً إلى أسواق آسيوية مختلفة، أو عبر شبكات إعادة توزيع غير مباشرة.
تأثيرات على الأسعار والإيرادات
ورغم ارتفاع حجم الصادرات، فقد شهدت الإيرادات الروسية من النفط تراجعاً نسبياً خلال الفترة ذاتها، نتيجة انخفاض أسعار خام “الأورال” الروسي في الأسواق العالمية، إلى جانب التذبذب في أسعار النفط الخام بشكل عام.
وبحسب بيانات سوقية متخصصة، انخفض متوسط سعر خام الأورال بمقدار يتراوح بين 3 و4 دولارات للبرميل في الموانئ الرئيسية، سواء في البلطيق أو البحر الأسود أو المحيط الهادئ، ما أدى إلى تقليص القيمة الإجمالية للصادرات رغم ارتفاع الكميات.
وتُقدّر العائدات الأسبوعية من صادرات النفط الروسي بنحو 2.18 مليار دولار، مقارنة بنحو 2.28 مليار دولار في الفترة السابقة، وهو ما يعكس تأثير الضغوط السعرية العالمية على الاقتصاد النفطي الروسي، حتى في ظل استقرار أو ارتفاع حجم الشحنات.
ضغوط مزدوجة على قطاع الطاقة الروسي
ويواجه قطاع الطاقة الروسي ضغوطاً مزدوجة تتمثل في تراجع القدرة الإنتاجية من جهة، واستمرار استهداف البنية التحتية للتكرير من جهة أخرى، إلى جانب القيود الغربية المفروضة على صادرات النفط والتعاملات المالية المرتبطة بها.
وتشير تقديرات إلى أن هذه الضغوط دفعت موسكو إلى إعادة توجيه استراتيجيتها النفطية نحو تعزيز الصادرات الخام بدلاً من المنتجات المكررة، مستفيدة من الطلب المستمر في الأسواق الآسيوية، ومن فجوات العرض العالمية التي نشأت نتيجة التوترات الجيوسياسية في مناطق أخرى، بما في ذلك الشرق الأوسط.
كما ساهمت الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، بما في ذلك تداعيات التوترات في مضيق هرمز خلال الفترة الماضية، في دعم الطلب على الخام الروسي، ولو بشكل غير مباشر، عبر إعادة توزيع تدفقات النفط العالمية.
مستقبل غير مستقر لسوق الطاقة
ويرى محللون أن استمرار الضربات على البنية التحتية للطاقة في روسيا، إلى جانب العقوبات الغربية، قد يؤدي إلى مزيد من إعادة تشكيل خريطة صادرات النفط العالمية، حيث تتحول التدفقات تدريجياً نحو مسارات أكثر تعقيداً وأقل شفافية.
كما أن اعتماد روسيا المتزايد على أسواق محددة في آسيا قد يعزز من هشاشة هذا التوازن على المدى الطويل، خاصة في حال حدوث تغييرات في الطلب الصيني أو الهندي، أو في حال تشديد القيود الغربية على شبكات النقل البحري والتأمين.
في المحصلة، تعكس التطورات الأخيرة في سوق النفط الروسي حالة من التوازن الهش بين الضغوط العسكرية على البنية التحتية من جهة، واستمرار القدرة على تصدير الخام بكميات مرتفعة من جهة أخرى، في مشهد يعيد رسم خريطة الطاقة العالمية تحت تأثير الحرب في أوكرانيا والعقوبات الدولية والتحولات في الطلب العالمي.
ومع استمرار الهجمات على المصافي وتذبذب الأسعار، يبقى قطاع الطاقة الروسي في مواجهة مرحلة طويلة من إعادة التكيف، قد تحدد ملامحها المقبلة ليس فقط نتائج الحرب، بل أيضاً اتجاهات الأسواق العالمية للطاقة خلال السنوات القادمة.










