توسع ميداني متسارع للجماعة المرتبطة بالقاعدة يثير مخاوف من انهيار توازنات الأمن في مالي ودول الجوار وولادة كيان موازٍ للسلطة الرسمية
واشنطن – المنشر_الاخباري
تشهد منطقة الساحل الإفريقي تصاعدًا حادًا في المخاوف الأمنية، بعد تحذيرات أميركية من أن جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة باتت تقترب من امتلاك خصائص كيان منظم يشبه الدولة، في ظل توسع نفوذها العسكري والجغرافي داخل مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
وجاءت هذه التحذيرات على لسان قائد القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا “أفريكوم”، الجنرال داغفين أندرسون، الذي حذر من أن أي نجاح للجماعة في السيطرة على عاصمة إقليمية قد يمنحها موارد استراتيجية ضخمة، ويحولها إلى فاعل شبه دولتي قادر على تغيير ميزان القوى في غرب إفريقيا.
توسع يتجاوز حدود التمرد التقليدي
خلال السنوات الأخيرة، تمكنت الجماعة من توسيع نطاق عملياتها في مثلث الساحل، مع تركيز خاص على المناطق الريفية والطرق الحيوية التي تربط المدن الكبرى، حيث باتت تفرض نفوذًا غير مباشر عبر نقاط تفتيش، وعمليات تعطيل للإمدادات، خاصة الوقود والسلع الأساسية.
وفي مالي تحديدًا، تزايدت الضغوط على العاصمة باماكو، مع تصاعد الهجمات غير المباشرة ومحاولات تطويقها اقتصاديًا وأمنيًا، في ما يعتبره مراقبون تحولًا نوعيًا من حرب استنزاف إلى استراتيجية حصار تدريجي للمراكز الحضرية.
وتزامن هذا التصعيد مع تحركات متبادلة بين الجماعة والحكومة المالية، شملت عروض مكافآت مالية للقبض على قيادات من الطرفين، ما يعكس انتقال الصراع إلى مستوى أكثر تعقيدًا يرتبط بالشرعية والسيطرة الميدانية.
تحذيرات أفريكوم: الخطر في “التحول المؤسسي”
في شهادة أمام الكونغرس الأميركي، أوضح الجنرال أندرسون أن “نصرة الإسلام والمسلمين” لم تعد مجرد تنظيم مسلح تقليدي، بل باتت تمتلك قدرات عملياتية تشمل تعطيل الإمدادات الحيوية وعزل المدن وفرض معادلات ضغط على الحكومات المحلية.
وأضاف أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في التوسع الجغرافي، بل في احتمال تحول الجماعة إلى كيان يسيطر على مركز حضري رئيسي، وهو ما قد يمنحها موارد مالية وبشرية ورمزية سياسية تعزز من قدرتها على الاستمرار والتوسع.
وأشار إلى أن منطقة غرب إفريقيا أصبحت اليوم أحد أكثر بؤر العنف المرتبط بالإرهاب في العالم، مع تسجيل نسبة كبيرة من ضحايا العمليات المسلحة عالميًا خلال عام 2024، ما يعكس حجم التدهور الأمني المتسارع.
بيئة مثالية للصعود: فراغ الدولة والتهميش
يربط خبراء هذا التمدد بعدة عوامل بنيوية، أبرزها ضعف مؤسسات الدولة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتراجع قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية خارج العواصم، ما خلق فراغًا واسعًا استغلته الجماعات المسلحة لتعزيز نفوذها.
كما ساهم الفقر المزمن والتهميش الاجتماعي والعرقي في خلق بيئة خصبة للتجنيد، خاصة في المناطق الريفية التي تعاني من غياب التنمية وضعف البنية التحتية، وهو ما أضعف الثقة بين السكان والسلطات المركزية.
ويرى محللون أن الانسحاب التدريجي للقوات الفرنسية وتقليص مهام بعثات الأمم المتحدة زاد من هشاشة الوضع الأمني، وترك مساحات واسعة دون رقابة فعالة، ما سمح للجماعات المسلحة بإعادة التموضع والتوسع.
شبكات عابرة للحدود وتمويل متصاعد
لا يقتصر تمدد الجماعة على البعد العسكري فقط، بل يشمل أيضًا اندماجها مع شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بما في ذلك تهريب السلع والمخدرات والوقود، ما وفر لها مصادر تمويل مستقرة نسبيًا.
هذا الاندماج بين العمل المسلح والاقتصاد غير القانوني عزز من قدرة الجماعة على الصمود، وسمح لها بتطوير بنية لوجستية أكثر تعقيدًا تدعم عملياتها العسكرية والسياسية في آن واحد.
جدل حول فكرة “الدولة الموازية”
ورغم هذا التوسع، يؤكد خبراء أن الحديث عن قيام “دولة” مكتملة لا يزال سابقًا لأوانه، لأن سيطرة الجماعة تتركز في مناطق غير حضرية ومحدودة البنية الإدارية.
لكنهم يحذرون في الوقت ذاته من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى نشوء نموذج “الدولة الموازية”، حيث تتمكن الجماعة من فرض الضرائب، وتنظيم النزاعات المحلية، وإدارة بعض الخدمات، بما يكرّس واقعًا جديدًا خارج سيطرة الحكومات.
ويشير محللون إلى أن الخطر الأكبر يتمثل في تحوّل هذا النموذج إلى حالة دائمة، ما قد يؤدي إلى تفكك تدريجي لسلطة الدولة في أجزاء واسعة من الساحل.
انعكاسات إقليمية ودولية
يحذر خبراء من أن استمرار هذا التمدد لن يقتصر تأثيره على دول الساحل فقط، بل قد يمتد إلى أوروبا عبر زيادة موجات الهجرة غير النظامية، وتنامي شبكات التهريب، وارتفاع مخاطر العنف العابر للحدود.
كما قد يفتح الباب أمام سباق نفوذ دولي جديد في المنطقة، خاصة في ظل تراجع الدور الغربي التقليدي، وتزايد الحضور الروسي والصيني في ملفات الأمن والطاقة والبنية التحتية.










