طهران تعتبر التصريحات الأمريكية بشأن استخدام الأموال الإيرانية لتعويض حلفاء واشنطن انتهاكاً للقانون الدولي وتحمّل الولايات المتحدة المسؤولية الكاملة عن أي إجراءات تمس أصولها السيادية
طهران – المنشر الإخباري
صعّدت إيران من لهجتها تجاه الولايات المتحدة بعد تصريحات صدرت عن مسؤولين أمريكيين بشأن إمكانية استخدام أصول إيرانية مجمدة لتعويض دول حليفة لواشنطن في المنطقة، معتبرة أن مثل هذه التهديدات تمثل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي ومساساً مباشراً بالسيادة الوطنية الإيرانية.
وفي بيان رسمي، أدان المجلس الأعلى لحقوق الإنسان في إيران التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، والتي تحدث فيها عن احتمال اللجوء إلى الأصول الإيرانية لتعويض ما وصفه بالأضرار التي تعرض لها حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة خلال فترة التصعيد العسكري الأخير.
وأكد المجلس أن أي محاولة لمصادرة أو تحويل الأموال الإيرانية الموجودة في الخارج بشكل أحادي الجانب تتعارض مع المبادئ الأساسية التي تحكم العلاقات بين الدول، وعلى رأسها مبدأ المساواة في السيادة والحصانة القانونية التي تتمتع بها ممتلكات الدول وأصولها المالية.
وقال المجلس إن هذه التصريحات تعكس استمرار السياسة الأمريكية القائمة على الضغوط الاقتصادية والإجراءات الأحادية، معتبراً أن مثل هذه الممارسات تقوض النظام القانوني الدولي وتفتح الباب أمام مزيد من الفوضى في العلاقات الدولية.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها تلقي بظلالها على المشهد السياسي والأمني في المنطقة، رغم التفاهمات التي جرى التوصل إليها مؤخراً لاحتواء التصعيد وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المفاوضات.
رفض قانوني وسياسي
وركز البيان الإيراني على الجانب القانوني للقضية، مؤكداً أن القانون الدولي لا يمنح أي دولة الحق في الاستيلاء على أموال دولة أخرى أو إعادة توظيفها لأغراض سياسية أو مالية دون موافقة أصحابها الشرعيين.
وأضاف أن أي إجراء من هذا النوع يشكل سابقة خطيرة تمس قواعد النظام المالي العالمي، وقد يؤدي إلى فقدان الثقة في المؤسسات المالية الدولية التي يفترض أن تعمل وفق معايير قانونية واضحة بعيدة عن الاعتبارات السياسية.
وأشار المجلس إلى أن تجميد الأصول أو مصادرتها لا ينعكس فقط على الحكومات، بل يطال الشعوب بشكل مباشر من خلال تأثيره على الاقتصاد والتنمية والخدمات الأساسية، وهو ما يجعله مرتبطاً أيضاً بقضايا حقوق الإنسان والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
واعتبر أن العقوبات الاقتصادية ومصادرة الأصول تمثلان أدوات ضغط تؤثر في حياة المواطنين العاديين، وتحد من قدرة الدول على تنفيذ برامج التنمية وتحسين الظروف المعيشية لشعوبها.
تصعيد في ملف الأصول المجمدة
ويُعد ملف الأصول الإيرانية المجمدة أحد أكثر الملفات تعقيداً في العلاقة بين طهران وواشنطن منذ عقود، إذ تطالب إيران بشكل متكرر بالإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال والأصول المحتجزة في عدد من الدول والمؤسسات المالية حول العالم.
وخلال السنوات الماضية، شهد الملف سجالات سياسية وقضائية متكررة، حيث نجحت الولايات المتحدة في بعض الحالات في توجيه جزء من الأموال الإيرانية لتسوية قضايا مرتبطة بأحكام قضائية أمريكية، وهو ما رفضته طهران دائماً واعتبرته عملية “قرصنة مالية” تخالف القوانين الدولية.
وتخشى إيران أن تتحول التصريحات الأمريكية الأخيرة إلى خطوات عملية خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل استمرار التوتر السياسي بين الطرفين رغم الحديث عن مسارات تفاوضية جديدة.
ويرى مراقبون أن التهديد باستخدام الأصول الإيرانية لتعويض حلفاء واشنطن في المنطقة قد يعقد أي جهود دبلوماسية قائمة، ويضع عراقيل إضافية أمام محاولات بناء الثقة بين الجانبين.
اللجوء إلى المؤسسات الدولية
في المقابل، أكدت طهران أنها تحتفظ بحقها الكامل في اللجوء إلى جميع الوسائل القانونية والدبلوماسية المتاحة للدفاع عن أصولها ومصالحها الاقتصادية.
وأشار البيان إلى أن إيران ستستخدم الآليات القضائية الدولية والمؤسسات المختصة لملاحقة أي إجراءات قد تستهدف أموالها أو ممتلكاتها في الخارج، محملة الولايات المتحدة المسؤولية القانونية الكاملة عن أي تداعيات قد تنجم عن مثل هذه الخطوات.
كما دعا المجلس الأعلى لحقوق الإنسان في إيران الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والهيئات المعنية بحماية القانون الدولي إلى اتخاذ موقف واضح تجاه ما وصفه بالممارسات الأمريكية الأحادية.
وأكد أن المجتمع الدولي مطالب بالدفاع عن القواعد القانونية التي تنظم العلاقات بين الدول، ومنع أي محاولات لفرض سياسات الأمر الواقع على حساب حقوق الدول وسيادتها.
اختبار جديد للعلاقات الإيرانية الأمريكية
ويرى محللون أن الجدل الجديد حول الأصول الإيرانية يأتي في توقيت حساس للغاية، إذ يتزامن مع مرحلة يفترض أن تشهد حواراً سياسياً ومفاوضات بشأن عدد من الملفات العالقة بين البلدين.
لكن استمرار تبادل الاتهامات والتهديدات يشير إلى أن الطريق نحو أي تفاهم شامل لا يزال مليئاً بالعقبات، خصوصاً في الملفات المالية والاقتصادية التي تمثل أحد أبرز مصادر الخلاف بين طهران وواشنطن.
ومع تمسك إيران بموقفها الرافض لأي مساس بأصولها المجمدة، وإصرار الولايات المتحدة على استخدام أدوات الضغط الاقتصادي ضمن استراتيجيتها الإقليمية، يبدو أن ملف الأموال الإيرانية سيبقى واحداً من أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل خلال المرحلة المقبلة.










