في وثيقة صادمة تعيد تسليط الضوء على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في سوريا، كشف تقرير حديث صادر عن “جماعة الضغط النسوية السورية” بعنوان “اختطاف النساء السوريات: حرب على الكرامة”، عن نمط مروع من العنف القائم على النوع الاجتماعي الممزوج بالاستهداف الطائفي.
ووفقا للتقرير، فإن حوالي 60% من النساء اللواتي اختطفن خلال الهجمات الطائفية العام الماضي في ريف حماة الغربي وحمص ما زلن في عداد المفقودين، في ظل ثقافة إفلات من العقاب تعززها مؤسسات دولة متآكلة.
أرقام ومؤشرات مرعبة
وثقت المنظمة في عام 2025 وحده ما يقرب من 82 حالة اختطاف مركزة على طول الساحل السوري وريفي حماة وحمص. وتشير البيانات إلى أن 90% من الضحايا هن نساء في مقتبل العمر (15-40 عاما)، بينما شكلت الفتيات القاصرات 10% من إجمالي الحالات. والأكثر إثارة للقلق هو أن 40% فقط من المختطفات تم إطلاق سراحهن، ومعظمهن عانين من ابتزاز مالي وعنف جسدي ونفسي لا يوصف خلال فترة أسرهن.
الإفلات من العقاب و”صمت المؤسسات”
يؤكد التقرير، مستندا إلى معطيات مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أن السلطات السورية تتعامل بلامبالاة مع شكاوى العائلات.
ففي كثير من الأحيان، تقابل بلاغات الشرطة بالتجاهل، بل إن بعض المسؤولين عملوا على تثبيط عزيمة الأهالي عن المضي قدما في الإجراءات القانونية. وفي حالات أخرى، تلقت عائلات رسائل تهديد مباشرة تحثها على “نسيان” المفقودات أو مواجهة احتمال عودتهن “جثثا هامدة”.
أجساد النساء كـ “ورقة ضغط سياسي”
يرى التقرير أن استهداف النساء من الأقليات، وخاصة الدرزيات والعلويات، ليس عشوائيا. إنه استغلال ممنهج لأجساد النساء لتحويلها إلى ساحة لتوجيه رسائل سياسية وطائفية للمجتمعات المحلية.
هذا التداخل بين العنف الجندري والاستهداف الطائفي يتجلى في نمط مكرر: تحريض إعلامي يسبق الاختطاف، يليه استخدام أجساد النساء -اللواتي يجبرن على ارتداء النقاب وممارسة شعائر دينية معينة- لإهانة مجتمعاتهن وتدمير نسيجهن الاجتماعي.
قصص من الجحيم: التخدير والابتزاز
وصفت الناجيات اللواتي تمكن من الفرار تجارب مريرة، شملت التخدير القسري والاحتجاز في ظلام دامس تحت تهديد السلاح.
وكشفت إحدى الشهادات عن إجبار الضحايا على تسجيل فيديوهات تدعي “الهروب الطوعي” مع عشاق، في محاولة من الخاطفين لتبرير الجريمة وإسقاط الطابع الجنائي عنها، بل إن بعض الناجيات أجبرن على قبول الزواج من خاطفيهن تحت الإكراه، أو مواجهة القتل بتهم تتعلق “بالشرف”.
صلات مشبوهة وتورط رسمي
يشير التقرير إلى تفاصيل مثيرة للقلق حول علاقة الخاطفين بجهات رسمية؛ حيث أفادت الناجيات برؤية عناصر أمنية تتعامل بود مع المسلحين عند نقاط التفتيش، كما أجبرت الناجيات في بعض الحالات على الإدلاء بشهادات زائفة داخل مراكز أمنية، تحت تهديد الحبس الانفرادي، في حين شككت وزارة الداخلية السورية في صحة هذه التقارير، زاعمة أن معظمها “حالات غير حقيقية”، وهو ما يراه الحقوقيون دليلا إضافيا على محاولات التغطية على الانتهاكات.
الآثار طويلة الأمد
تترك هذه الجرائم ندوبا نفسية واقتصادية عميقة؛ فالناجيات يعشن اليوم في عزلة خوفا من وصمة العار أو انتقام الجناة، مما يدفعهن لترك التعليم أو ملازمة المنازل. وفي ختام التقرير، يعبر أحد الناجين عن خيبة أمل وجودية عميقة قائلا: “لقد فقدت ثقتي بالناس.. السياسة تبحث عن المصالح دون التفكير في الناس. العالم ليس عادلا، وكل الحديث عن حقوق الإنسان لا قيمة له”.
إن هذا التقرير يمثل صرخة استغاثة ضد “سلاح الخوف” الذي يستخدم لفرض الصمت، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية لوقف هذه الانتهاكات التي تتجاوز في وحشيتها حدود الجريمة الفردية لتصبح مساسا بكرامة الإنسان السوري بأسره.










